آخر تحديث: 2020-08-11 02:32:15
شريط الأخبار

التنمية الرثّة..«Lumpen Development»

التصنيفات: رؤى عربية

.. أو «تنمية التخلف» حسب أندريه غوندر فرانك، وهي التنمية التي تحدث في الأطراف من دون أن يكون هدفها خلق استقلال وطني، بل تسعى نحو تدعيم الارتباط والتبعية للمركز الرأسمالي.

تنطلق «التنمية الرثة» من الخضوع أحادي الجانب لمتطلبات الرأسمالية المعولمة، باعتمادها على معيار ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي، وتحقيق الفرد نصيباً أعلى من هذا الناتج.

في الأطراف ينشأ هذا الارتفاع في الناتج المحلي الإجمالي عن نشاطات غير إنتاجية، مثل استخراج النفط، والصناعات التعدينية، وبيع القطاع العام، في الوقت الذي تتراجع فيه مساهمات قطاعات إنتاجية رئيسية كالزراعة في الناتج القومي، ناهيك عن الصناعات البسيطة والتحويلية التي لا يمكن احتسابها، ويتقدم قطاع الخدمات ليتصدر النشاطات الاقتصادية غير الاستخراجية كالزراعة والصناعة. ينطبق هذا الوصف على الكثير من الدول التي تعتمد بشكل رئيسي على إيرادات النفط، أو الدول التي تعتمد على استخراج الذهب والماس ومعادن أخرى مثل الدول الإفريقية، في حين لجأت دول عدة إلى بيع القطاع العام «الخصخصة» لتحقيق الارتفاع المنشود.

إضافة إلى النمط الاستخراجي، ظهرت اقتصاديات خدمات الوسطاء، فأصبحت دبي مثلاً مركزاً لجذب مكاتب الشركات الكبرى مثل آبل وسامسونج، والبحرين مركزاً مالياً، من دون أن يعني ذلك تطور قدرة هذه الدول على تصنيع جهاز هاتف، أو جهاز طبي، إذ تكتفي بلعب دور الوسيط بين المُنتج والمستهلك.

على هامش هذه الأنماط غير الإنتاجية، ظهرت الدول التي أصبحت مراكز لاستهلاك الدخل لا إنتاجه. فضمن شروط السوق الرأسمالي تُستخدم الأيدي العاملة الرخيصة، وبشروط ما قبل رأسمالية في غالب الأحيان. يتم هذا بواسطة العمالة المحلية أو باستقدام العاملين من الدول الفقيرة، بتشجيع من هذه الدول، تحت شعار زيادة تحويلات العاملين في الخارج، واعتبارها أحد مصادر تغذية الخزينة، ونمو الناتج المحلي الإجمالي.

بعد الأزمة المالية العالمية عام 2008 والتهديد الجديد بسقوط الرأسمالية، أخذت المؤسسات المالية العالمية منحى العودة إلى نموذج دولة الرفاه (النموذج الكينزي) بهدف استعادة قوة الاقتصاد الرأسمالي. في هذا السياق يرى البنك الدولي أن بيع الثروات الوطنية (نفط- معادن- أراضي الخزينة) لا يمكن اعتباره دخلاً حقيقياً، لأنه لا يعدو كونه تسييلاً للموجودات، مثل بيع أثاث البيت لشراء الطعام، لذلك يتبنى باحثون مرموقون في البنك الدولي- مثل الاقتصادي الأميركي الحاصل على جائزة نوبل في الاقتصاد جوزيف ستغليتز- مفهوم الدخل القومي الصافي المعدل وهو:

الدخل القومي الصافي المعدل= الناتج الإجمالي المحلي+ الدخل الصافي الخارجي (الاستثمارات الخارجية+ تحويلات العاملين في الخارج)– استهلاك رأس المال الثابت– استهلاك رأس المال الطبيعي.

هذا الموقف المتحفظ إزاء بيع الأصول الوطنية، يزول تماماً تحت شعار استثمار عائدات البيع في الحصول على أصول ذات قيمة أعلى.

تغفل وجهة النظر هذه، الجهات المستفيدة من عملية البيع والشراء، وكذلك تأثير القوى الخارجية التي تتحكم بأسعار هذه الأصول من خلال البورصات العالمية، وبالتالي فإن الاستثمار الخارجي، خاصة في ما يسمى الصناديق السيادية التي تعمل بشكل رئيسي على الاستثمار في السوق العالمي لتحقيق «الدخل الخارجي» هي استثمارات عالية الخطورة، وهو ما أثبته الهبوط الحاد في موجودات هذه الصناديق خلال الأزمة المالية 2008 وما تبعه من إنهاء خدمات الكثير من العاملين في دول الوفرة المالية، ما انعكس أزمات اقتصادية حادة في بلدان هؤلاء العاملين نتيجة الانخفاض الحاد في تحويلات العاملين في الخارج.

هذا الوهم القائم على القدرة على الاستفادة من الفرص التي يقدمها السوق الرأسمالي المالي العالمي، لا يختلف كثيراً عن الوهم الذي قاد خطوات «الدولة البرجوازية الوطنية» والقائم على القدرة على استخدام نافذة الميل الرأسمالي العالمي نحو التوسع، لتحقيق نمو وسائل الإنتاج وبالتالي الوصول إلى تنمية حقيقية، وبالتالي الوصول إلى موقع يمكّنها من التعامل مع المركز الرأسمالي على قدم المساواة. وقد حاولت «الدولة البرجوازية الوطنية» إبداء حسن نياتها «الاقتصادية» من خلال القبول بنوع من علاقة التبعية مع المركز الرأسمالي تحت مسمى التكيّف.

على سبيل المثال نشطت في مرحلة التحرر نشاطات الصناعات التجميعية مثل سيارات نصر (فيات) في مصر، وتجميع الأدوات الكهربائية (غسالات، ثلاجات، غازات)، وغيرها. ما غفلت عنه هذه «النيات الحسنة» أن الاستعمار لا يقبل بتنمية قوى وإمكانيات الإنتاج المحلية حتى لو كانت تابعة له، وأن هدفه الأساسي هو تدمير هذه القوى والإمكانيات بكافة الوسائل لمنع تشكل مراكز اقتصادية جديدة.

لقد ظهر هذا الموقف العدائي للمركز الرأسمالي تجاه “الدولة البرجوازية الوطنية”، في سلسلة الحروب التي خاضتها ضدها بشكل مباشر؛ الحرب الكورية والفيتنامية والعدوان الثلاثي، وحرب حزيران 1967، والانقلاب على بينوشيه في تشيلي، وغيرها الكثير. أو بالعقوبات الاقتصادية، على كوبا، فنزويلا على سبيل المثال. هذا السلوك الرأسمالي نجح في حالات كثيرة خاصة في تشيلي ومصر، وهو ما يُعطي مصداقية للنتيجة التي وصل إليها سمير أمين من أن «تاريخ العالم الثالث إلى الآن هو تاريخ سلسلة محاولات تبلور برجوازي وطني، وإجهاض هذه المحاولات، وإدراجها في التوسع الرأسمالي العالمي».

لقد انتهى هذا التاريخ إلى غير رجعة، ومحاولة تكراره ليست سوى انحراف عن المسار الصحيح، بعبارة أخرى «عصر النهضة انتهى».

هذه النهاية لا تتعلق بأهداف مرحلة التحرر الوطني من تحقيق الاستقلال الناجز، وفك الارتباط مع المركز الرأسمالي، والانتقال من مجتمع الاستهلاك إلى مجتمع الإنتاج، لكنها تؤكد نهاية الطريق البرجوازي الوطني الذي يوصل إلى هذه الأهداف. أما البديل فهو تفعيل دور الطبقات المستفيدة من مشروع التحرر الوطني، لتشكيل كتلة اجتماعية تعطي الشرعية للدولة، وتجعلها قادرة على التأسيس لمشروع بناء نظام إنتاجي وطني يؤمّن فك الارتباط مع المركز الرأسمالي، والانتقال من مجتمع الاستهلاك إلى مجتمع الإنتاج، ويضمن مشاركة الغالبية العظمى من الطبقات الشعبية في عائدات التنمية.

*كاتب من الأردن

طباعة

التصنيفات: رؤى عربية

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي


Comments are closed