آخر تحديث: 2020-08-11 02:32:15
شريط الأخبار

“كورونا”.. وعواقب غياب التضامن الأممي

التصنيفات: رؤى عربية

المؤسف عندما تتابع تطور الأحداث المصاحبة لفيروس كورونا المستجد «كوفيد 19» أنك تلمس غياب التضامن الأممي في مراحل الانتشار الأولى بمدينة ووهان الصينية، فالكثير من دول «العالم الأول» إذا جاز التعبير، ظلت تشاهد ما يجري في الصين من تفشي العدوى وسقوط الوفيات منذ أواخر عام ٢٠١٩ بعين السخرية والشماتة، بل حاولت بعض الدول انتهاز الفرص للنهش في اقتصاد الصين بما يصب في صالحها.

وقد تجلى هذا السلوك في تصريح وزير التجارة الأمريكي ويلبور روس نهاية كانون الثاني من العام الجاري، حين اعتبر أن انتشار فيروس كورونا ربما يكون فرصة مهمة حتى تهجر الشركات الصين وتنتقل إلى الولايات المتحدة، بما يساعد في جلب فرص العمل، وتحسين الاقتصاد.. في تصريح يعكس حالة فاضحة من الأنانية واللا أخلاقية.

والحقيقة أن الأمور ربما كانت لتتغير كثيراً لو تعاون البشر وأدركوا وحدة مصيرهم، وواجه علماء العالم وأطباؤه الخطر منذ اليوم الأول متكاتفين، وبادرت جميع الدول لاتخاذ السبل الوقائية.. لكن ما جرى تقريباً هو نقيض ذلك، فهناك حديث دائر- لم يتأكد بعد- عن كون الفيروس جزءاً من حرب بيولوجية لإضعاف الصين أو بدرجة أدق، إضعاف مناخ العولمة الاقتصادي الذي استفادت منه الصين بدرجة كبيرة فنشرت منتجاتها من شرق الكرة الأرضية إلى غربها وكانت تخطط لرفع معدل حضورها العالمي عبر خط الحرير الجديد، ناهيك عن تعامل وسائل الإعلام ومعها الجماهير باعتبار أن الفيروس “مسلط على أمة بعينها”، بل ذهب البعض لإرجاع الأمر إلى تفاسير ميتافيزيقية، وكأن المرض “رسالة من السماء”!

وحتى المتوجسون ربما توقعوا أن الأمر سيكون شبيهاً بـ “الحادة” أي «سارس» الذي ظهر خلال عامي ٢٠٠٢/٢٠٠٣ وتركزت حينها العدوى في الصين وبالكاد بعض دول جنوب شرق آسيا.. إلا أن الجميع استفاق مع انفجار الوضع في إيطاليا، أي جنوب أوروبا، وهنا بدأ الشعور بالقلق وتحولت حالة اللا مبالاة أو نصف الاهتمام إلى حالة من الفزع وشد الأعصاب.

لكن غياب التضامن الأممي لا يمنع من وجود دول بادرت للمساعدة والدعم في مواجهة الفيروس منذ البداية مثل كوبا، تلك الجزيرة الاشتراكية في البحر الكاريبي، التي أرسلت فرقاً طبية وأدوية للصين، وهي دولة معروف عنها التميز في المجال الطبي، وقد شكر الرئيس الصيني نظيره الكوبي ميغيل دياز كانيل في 28 شباط الماضي على هذا التعاون، كذلك هناك روسيا التي دعمت بكين سياسياً في مواجهة الحملات الغربية، وثمة تعاون قائم الآن بين الدولتين لإنتاج اللقاح من خلال أكاديمية سانت بطرسبرغ الطبية الذي ربما يضع الخاتمة لهذا الكابوس، ومن المتوقع أن يكون هذا في نيسان الجاري بالتزامن أيضاً مع ارتفاع درجات الحرارة، حيث يتوقع خبراء اختفاء الأزمة مع دخول الصيف، كذلك ثمة دول عربية أظهرت التضامن مثل سورية التي أعربت عن دعمها لصديقتها الصين في مواجهة الوباء وفتحت الباب لمزيد من التعاون العلمي.. ومصر التي أضاءت معالمها السياحية بلون العلم الصيني وأرسلت مساعدات.

لا جدال اليوم أن الصين قد اجتازت الكثير من أزمتها ونجحت في تحجيم انتشار الفيروس وتحقق أرقاماً متقدمة جداً في معدلات الشفاء، وهذا يعود إلى محورية دور الدولة وصلابة الملكية العامة، والمصلحة العامة التي غرسها الحزب الشيوعي على حساب النزعة الفردية، وإدراك قيمة العلم واتخاذ كل التدابير المادية والبعد عن الخرافة والتواكل، وأيضاً بسبب الأطر الحداثية التي يعيش فيها كثير من أبناء المجتمع وإدراكهم لقيمة الحياة.. والصين اليوم تقدم أياديها بالدعم لكل الدول الأوروبية التي تعاني من الفيروس، مثل إيطاليا وصربيا (التي هاجم رئيسها ألكسندر فوتشيتش الاتحاد الأوروبي لغياب المساعدة، مشيداً بالصين ودورها الإنساني، ولافتاً إلى أن زعماء الاتحاد كانوا يصدرون الأوامر لصربيا بعدم شراء البضائع من الصين!).

ويتضح الآن عالمياً مدى سوء الحال في الدول التي تعتمد نظم تحجّم من حضور الدولة على المستوى الاقتصادي، حيث تقف الحكومات إزاء الأزمة عاجزة، فالملكية معظمها خاصة، والدولة لا تملك ما يؤهلها لمواجهة الكارثة، لذا تضطر إلى اعتماد استراتيجية تخفيض الموارد، وتتقاعس عن علاج المرضى أو إجراء التحاليل بذريعة أن طاقة المشافي لا تتحمل أو أنه لا يمكن إجهاد القطاع الصحي أكثر، بل ربما تضطر إلى التسول من رجال الأعمال والأثرياء لكي يقوموا بدورهم في دعم المشافي ومراكز العلاج، أو مساندة الأسر الفقيرة التي تضرر دخلها بسبب إجراءات الحجر الصحي.

على أي حال فإن العالم يواجه وباء خطورته في أنه ينتشر بسهولة بالغة، لذا فإن حالة التراخي والاستهتار مرفوضة كما أن الهلع أيضاً مرفوض، ومن الضروري تعريف الناس بأن احتمال الوفاة في حالة الإصابة بالفيروس لا تزال محدودة، خاصة من هم في عمر الشباب حيث يتمتعون بمناعة قوية، وهذا حسب التأكيدات الطبية، وأن معرفة هذا الأمر سيشجع الناس على الإبلاغ عن وجود حالات مشكوك في إصابتها، وسيحفزهم على التعامل بإيجابية وأمل وروح معنوية عالية خلال رحلة العلاج في حالة الإصابة.

*كاتب من مصر

طباعة

التصنيفات: رؤى عربية

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي


Comments are closed