آخر تحديث: 2020-08-11 02:32:15
شريط الأخبار

“كورونا” ومعضلة فولتير.. هل يختبر «كوفيد 19» تفاؤليتنا؟

التصنيفات: رؤى عربية

ليس الأمل وجهة نظر، بل هو إحساس عميق، هو حدس المصير، حتى حينما سعت «كانديد» لتقويض تفاؤلية «ليبنتز» فإنها عززت نوعاً من الاعتقاد بأن التفاؤلية تحتاج إلى دليل، لكن ليبنتز لم يقرر أننا نسير إلى أفضل حال إلاّ في آخر «المونادولوجيا» غير أن معرفة الإنسان بالمستقبل وإن كانت غامضة فهي في نظره أشبه بمجموع أصوات أمواج الشاطئ، فالمعرفة متحققة ولو على سبيل الغموض (كانديد أو التفاؤل من أشهر روايات فولتير.. أما لايبنتز فهو غوتفريد فيلهيلم لايبنتز الفيلسوف وعالم الطبيعة والرياضيات الألماني وأهم أعماله كتيب صغير حول مفهوم: المونادولوجيا، أي الانسجام والتناسق الكوني).

النزعة التفاؤلية قضية تتجاوز الفكرة، لأنها نزعة ولأنها إحساس دافق ولأنها حدس يستبق النهايات، وهذه حقيقة سعت «كانديد» لتعزيزها لكنها في نهاية المطاف خضعت للواقع، في نهاية شريط المواجع الكبرى وخيبات الأمل، سنعود ونطبّق منطق الصمت والعيش خارج منطق الفكر التساؤلي، لأننا سننهي رواية الألم ونسدل الستار بجواب كانديد على المعلم بانغلوس: «هذا صحيح ولكن يجب أن نزرع حديقتنا».

لقد تعاطفت مع كانديد، مع هذا الحدث الذي قوّض الأمل، على الرغم من أنّني لا أجد فجوة تفسيرية لجملة أحداث كلّ ما فيها يُربك التّفاؤل، لاسيما زلزال لشبونة الذي زلزل هيكل النفس المطمئنّة للفكرة الأثيرة التي دمغ بها ليبنتز الثقافة الغربية يومها والتي لم تبرح النزعة القدرية بل بنت عليها لتقويض التفاؤلية: أفضل العوالم التي هي صنو لـ«ليس في الإمكان أبدع مما كان» لقد كان هذا ثاني زلزال يطيح بالطمأنينة الكنسية، وأجد من الأهمية بمكان أن أضع هنا مقارنة بين «جائحة تسونامي» التي ضربت لشبونة منتصف القرن الثامن عشر، و«كورونا» اليوم من خلال آثارها على الفكر، وكانديد هي خير مثال، مع أنّني أميل إلى ليبنيتز فلقد كان فيلسوفاً حقيقياً مقارنة بفولتير، وذلك لأنّ المشترك هو الجواب اللاهوتي عما يقع من جائحات، وبأنّ شيئاً من هذه التشاؤمية لم يحدث بعد.

إنّ مجمل الجوائح والآلام التي مرّ منها كانديد وزوجه بنت البارون وبانغلوس والعجوز وغيرهم وضعتهم أمام مفارقة، تساءلت العجوز في نهاية المطاف «هل كل هذه المعانات الطويلة تساوي هذا الوضع الخامل في المزرعة».. أما بانغلوس فقد دخل في مسلسل من الأسئلة الحجاجية بصيغة «لولا» التي علّل بها الوضع الراهن، أي لولا كل ما حدث لما كنا هنا نأكل ونعيش في المزرعة، بانغلوس زرع في ذهن كانديد فكرة أنّ العالم يسير نحو الأفضل وأننا في عالم هو أفضل العوالم الممكنة. استنتج الكثيرون أنّ كانديد تقويض لهذه التفاؤلية وميل إلى أنّ العالم كله شرّ، ولكنه في نهاية المطاف ركن إلى القبول به من دون مساءلة نزولاً عند وصية الدرويش التركي، إنها نزعة قدرية، إنه حقاً يذهب نحو الحتمية المطلقة كما يرى جورج بوليه (عالم رياضيات مجري).

سيكون من الصعوبة استيعاب هذا المسلسل حين نستبعد مبدأ الحرية والمسؤولية خارج علم كلام الضرورة، والعدالة، واعتقاد الحكماء، والوجود كخير محض، وعلل الأحداث وسنن التّاريخ، والحركة الجوهرية للنفس، لا يوجد في كانديد أي حديث عن دور الإرادة ولا عن الوجود في عمق الفلسفة المتعالية، لكنه وإن كان أي ما فعل كان بالأحرى سينتهي به في زمن مبكّر إلى وجودية عبثية كتلك التي دمغت ألبير كامو، إلاّ أنّه أعاد تلك الغواية إلى بيت الطاعة للواقع القدري.

في سياق جائحة الفيروس التاجي «كوفيد 19» كل البشرية ما عدا الأشرار يتطلّعون إلى مستقبل أفضل، يراهنون- وفي نوع من المصالحة مع الوباء- على الجائحة لتغيير السلوك والعادات والرهانات والأنساق والنظام الدولي، هي من ناحية أخرى فرصة ستعيد الإنسان إلى حميميته الأولى مع الطبيعة والأسرة الخاصة والإنسانية، هي فرصة لأمل حتى قبيل تفشّي الوباء بات في عداد المستحيل، نظراً لما قد يحمله كورونا من أمل فكّ الحصار عن خيبات الأمل التي فرضها النظام الكوني وأنماط الاستهلاك التي أحاطته بالكثير من الأوهام.

لم يفرض كورونا وضعاً لم يكن يحلم به الأحرار ومناهضو الأنماط الاستلابية ودُعاة المصالحة مع الطبيعة والبيئة، بل جعل أحلامهم قابلة للتحقق، وبأنّ ما كان مستحيلاً بات حقيقة تتأكّد، وهي أنّ ما بعد كورونا هو تحقق الانتظارات الكبرى وعودة الإنسان إلى ذاته وتحقيق مُراجعة كونية في كلّ ما كان مصدر خيبات أمل إنسان يسير بسبب خياراته الخاطئة نحو الباب المسدود.

لقد كان كل شيء متوقعاً، ومعلّلاً، وما كان من قبيل المثال بات شيئاً قابلاً للتحقق بل حتميّ التّحقق.

ثمة من سيعاندون ولن يقبلوا بالوضع الجديد، لكن ذاكرة الوجع ستجعلهم يقبلون، إن الجميل في قول العجوز لكونغوند بعد كل هذه الرحلة وتشبّثها بالدرجة 72 من النسب بأن تقبل بالزواج بمن يستطيع أن يحميها «فإنّ المآسي تمنحنا حقوقاً».

كانديد أجابت عن مسلسل المآسي والجوائح: حروب وزلازل وأقدار حبكها فولتير ليرسم ملامح تشاؤمية على سير الأحداث باتجاه الأسوأ خلافاً للفكرة التي آمن بها الطيب وزرعها الفيلسوف، لكنّ فكرة الدرويش- الذي أقنع كنديد – لم تحلّ إشكالية الشّر في العالم بل قدمت جواباً قمعياً، أي: ما شأنك أصلاً بهذا السؤال، لعل الدرويش الذي أبهر كانديد في نهاية المطاف استند إلى التسليم بالقدر خيره وشره، لكنه في الحقيقة قدم حلاً أغرى فولتر، وهو القبول والاستسلام للواقع من دون السؤال، والاهتمام بشؤون المزرعة والبيت والأكل من دون أن نسأل، لكنّ كورونا هي جواب على معضلة فولتير.. كيف تكون الجائحة في خدمة الأفضل؟

يشبه الدرويش التركي في كانديد عبارة عون السلطة (المختار) المغربي في دوّار بلعيد حين هتف بملء صوته مخاطباً المواطنين في سياق التدابير الوقائية التي اتخذتها السلطات ضدّ كورونا: «دخلوا سوق روسكم»..(لا تتدخلوا في غير شؤونكم). لقد بدأ مختار دوار بلعيد بعفوية من حيث انتهى فولتير في رائعته.

*كاتب من المغرب

طباعة

التصنيفات: رؤى عربية

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي


Comments are closed