آخر تحديث: 2020-04-04 04:29:12
شريط الأخبار

متعة الشعراء

التصنيفات: زوايا وأعمدة,على ما يبدو

ربما يتشابه الشعراء في حرصهم على قراءة قصيدة لهم أكثر من مرة، ليس بقصد تنقيحها وكتابتها على أفضل وجهٍ يرغبون فيه أن تظهر قصيدتهم به، مهما كانت قصيدتهم قصيرة.
كما ويتشابهون أيضاً في الاستمتاع بقراءتها أكثر، حالما يشعرون بأنه لم يعد بمقدرتهم الإضافة عليها، ولو حرفاً واحداً، فيعيدون قراءتها ويستمتعون بها قبل أن يدفعوا بها للنشر، فتصبح ملكاً لغيرهم أيضاً، وهنا يبدأ إحساسهم يخف بالمتعة. ولعل ندرة من الشعراء الذين يعترفون بممارسة تلك القراءة لتحقيق تلك المتعة. كما لعل إحساس مطلق شاعر بذلك يتقاطع مع إحساس الأم التي لا ترغب في دفع ابنها للمدرسة ليظل ملكها وحدها، كي لا تشاركها أخريات في تربيته وتعلميه، وبالتالي لا يعود طفلها أو طفلتها، لها فقط أو من صنعها، إلى حد ما، بل وليشاركها غيرها ببراءته ولعبه وضحكته، على الرغم من رضوخها فيما بعد لضرورة تعليمه ودمجه في المجتمع، فهو ابنه أولاً وأخيراً، كذلك يفعل الشاعر ويدفع بقصيدته للنشر أو لقراءتها على منبر ما، في أمسية أو مهرجان، فهو لا يكتب لذاته فقط. في ضوء القراءة للآخرين أو النشر الورقي، نزعم أن القصيدة تبدأ بفقدان ما تمنحه من متعة لمبدعها بعد أن يبدأ القرّاء بتداولها. ولعل ذلك من محفزات إبداع قصيدة جديدة دائماً للتعويض عما فقده، وشاركه به القرّاء، مهما كان عددهم، كثرُ أم قلّ.
ورغم ذلك فهذا الشعور لا يستمر، بل يأخذ مساراً آخر، إذ أن بعض القصائد تظل تحتفظ بمكانتها لدى مبدعها الشاعر مهما مضى الزمن عليها، تماماً كما تفعل الأم، فمهما كبر أطفالها تظل تراهم بعين الحب ذاته حتى لو كانت تخصّ ابناً بطيف أوسع من حبها من بقية الأطفال. ولذلك نجد ثمة شعراء يختبرون بعضاً من قصائدهم بإلقائها في أكثر من أمسية ومهرجان، ربما من باب تعلقهم بتلك القصائد وبما لها من خصوصية عندهم، أكثر من غيرها من بقية قصائدهم، أو لأنهم يدركون قدرتها على ملامسة ما بداخل بعض المتلقين لشعرهم، أو يختبرونها بالزمن وفق تعبير الشاعر إبراهيم نصر الله، وبالتالي ليعرف الشاعر هل القصيدة ما تزال على قيد الحياة إبداعياً أم أنها لم تعد تترك أي أثر بالمتلقين.
طباعة

التصنيفات: زوايا وأعمدة,على ما يبدو

Comments are closed