آخر تحديث: 2020-04-04 05:13:03
شريط الأخبار

أتاكَ على قُنُوطٍ منكَ غوثٌ عن اليأس والطموح وظروف الأيام

التصنيفات: ثقافة وفن

اليأسُ غيرُ القنوط وقد يكون محموداً في بعضِ معانيه، فمِمَّن يجب اليأسُ ويِمن يجبُ الأمل، لنعرفَ مخارج ومداخلَ ذلك، نحاولُ اِسْتقراءَ تجاربِ ذوي التجربة والمِراس فيما مرَّ بهِم وعاينوه من متغيَّر الشؤون والظروف والحالات والأحوال:
يؤكّدُ الشاعر صالح عبد القدّوس على إمكان التخلّص من الشدائد معتبراً – من تجربته المُعايَنة – أنَّ اليأس من ذلك أمرٌ يجب أن يُستبعدَ كليّاً، ويُستبدلَ بالثقة القويّة برحمة القدرة الكلية وقدرة الرحيم على الفرج :
لا تيأسنَّ من انفراج شديدةٍ
قد تنجلي الغمراتُ وهي شدائدُ
كم كرْبةٍ أقسمتُ ألّا تنقضي
زالت وفرّجَها الجليلُ الواحدُ
وهذا اليأسُ الذي يتحدث عنه عبد القدّوس هو غير اليأس المحمود الذي يشير إليه أبو الأسود الدؤلي، أي اليأس مما في أيدي الناس، وعدم طلب الحاجات إلّا من وفي مواضعها، وهذا يريح ذوي التقى من التمنّي الزائف مزيلاً داءَ الحسد من القلوب، يقول:
وفي اليأسِ خيرٌ للتقيِّ وراحةُ
من الأمرِ قد ولَّى فلا المرءُ نائلُهْ
وهذا ما درج عليه قيسُ بنُ ذريح إذ لا جدوى من طلب المُحال، وليس من الحكمة تعليلُ النفس بالآمال فيما لا يُنال:
وفي اليأسِ للنفس راحةٌ لها
إذا هي رامتْ خطّةً لا تنالُها
ولعلَّ في تصوّر هدبة بن خشرم مخرجاً فطِناً لا يدركهُ إلّا القلَّةُ الموفَّقون، يقول :
وبعضُ رجاءِ المرءِ ما ليس نائلاً
غَناءً، وبعضُ اليأسِ أعفى وأرْوَحُ
وللنظرْ إلى رأي نهشل بن حريّ ولنمعن مدققين، كيف يأتي باليأس بمعنى الانتظار الواعي والتسليم المريح:
فصبراً جميلاً إنَّ في اليأسِ راحةً
إذا الغيثُ لم يمطرْ بلادَك ماطرُهْ
واليأسُ يأتي بمعنى نقيض الطمع فاليأس ممّا لا ينفعُ الأملُ فيه يطيلُ الأملَ ولا يأتي بالمأمول، – والأمل والحال هذه – هو ضربٌ عبثيٌّ أخرقُ من مضيعة الوقت والجهد معاً، على رأي ابن هرمةَ:
إذا أنت لم تأخذ من اليأسِ عصمةً
تُشدُّ بها في راحتيك الأصابعُ
شربتَ بطرْقِ الماءِ حيثُ لقيتَهُ
على رنقٍ واستعبدَتْكَ المطامِعُ
وعلى طويل عينيّةٍ أخرى يعزف الفطامي وعلى الرويِّ نفسِه داعياً إلى تجنّبِ الأطماع فيما ليس به إمكانٌ أو جدوى ويعتبر اليأس عندها صفةً للعقلاء:
أرى اليأسَ أدنى للرشادِ وإنّما
دنا العيُّ للإنسانِ من حيثُ يطمعُ
فدعْ أكثرَ الأطماعِ عنك فإنّها
تضرُّ وأنَّ اليأسَ ما زال ينفعُ
وها شاعرُ النيل حافظ اِبراهيم يعظُ بصروف الدهر، فهل من متّعظ؟!
لم يبقَ شيءٌ من الدّنيا بأيدينا
إلّا بقيَّة دمعٍ قي مآقينا
كانت منازلُنا في العزِّ شامخةً
لا تشرقُ الشمس إلّا في مغانينا
فلم نزلْ وصُروفُ الدّهرِ ترمقُنا
شزْراً وتخدعُنا الدنيا وتُلهِينا
حتّى غدَونا ولا جاهٌ ولا نسبٌ
ولا صديقٌ ولا خِلٌّ يواسينا
ولعلَّ في جميل ولطيف ما سنأتي على ذكره مبنىً ومعنىً هذه الأبيات الرشيقة الأنيقة ما يشدُّ ويشذّب الخاطر ويجلب بِشْرَ طلاقةِ المُحَيَّا:
وغرّةُ مرَّةٍ من فعل غُرٍّ
وغرّةُ مرّتينِ فعالُ موقِ
فلا تفرحْ بأمرٍ قد تدنّى
ولا تيئَسْ من الأمرِ السحيقِ
فإنَّ القربَ يبعُدُ بعدَ قربٍ
ويدنو البُعدُ بالقدَر المسوقِ
ومن لم يتَّقِ الضحضاحَ زلَّتْ
بهِ قدماهُ في البحرِ العميقِ
وما اكتسبَ المحامدَ طالِبوها
بمثْلِ البِشْرِ والوجهِ الطليقِ
ولعلَّ ما قاله حازم القرطاجنّي حريٌّ بأن يؤخذَ على موثوق محملِ الجدّ والحزم:
لا تيأسنْ من روحِ ربِّكَ وارجُهُ
في كُلِّ حالٍ فهو أكرمُ مَن رُجي
ولعلَّهُ ملتمسٌ من (وافرِ) ما نُسِب إلى عليٍّ كرّم الله وجهه:
إذا اشتملَتْ على اليأسِ القلوبُ
وضاقَ لِما بهِ الصدرُ الرحيبُ
وأوطنتِ المكارهُ واستقرّتْ
وأرسَتْ في أماكنِها الخُطوبُ
ولم ترَ لانكشافِ الضُرِّ وجهاً
ولا أغنى بحيلتِهِ الأريبُ
أتاك على قنوطٍ منك غوثٌ
يمُنُّ بهِ اللطيفُ المُستجيبُ
وكُلُّ الحادثاتِ إذا تناهتْ
فموصولٌ بها فرَجٌ قريبُ

طباعة

التصنيفات: ثقافة وفن

Comments are closed