آخر تحديث: 2020-04-04 05:13:03
شريط الأخبار

كان همّه خلق الفرح لكلّ الناس رحيل المنشد "حسن الحفّار" عاشق التراث والمتعبد في محرابه

التصنيفات: ثقافة وفن

قضى الفنان المنشد حسن الحفّار (1943-2020) حياته عاشقاُ للتراث ومتعبداً في محرابه منذ طفولته، حيث كان يذهب إلى زاوية ” الحفّار” في مدينته حلب ويستمع إلى الإنشاد هناك وإلى حلقات الذكر. ينصت إلى المنشدين الذين تتلمذ على أيديهم ومن ثم تعلم على يدي الشيخ بكري الكردي الموشحات والأوزان، وإلى جانب ذلك تعلم القرآن الكريم وجوّد به. برحيل هذا الفنان المبدع يوم الاثنين الماضي، الذي يأخذك بصوته إلى نشوة مختلفة، أستعيد لقائي به صيف عام 1997 حين احتفى بي بشكل مضاعف في بيته القريب جداً من قلعة حلب حين علم بقدومي إليه من حمص، وابتسم بتواضع حين قلت له “لأول مرة أشاهد قلعتين متجاورتين”. ثم مضى مصرحاً بانزعاجه من الذين يعتقدون أن المنشد هو من يؤدي الابتهالات الدينية أو المدائح النبوية فقط، وهو في الوقت ذاته لا يرى أن ثمة فرقاً بين المنشد والمطرب. وما قدّمه الفنان الراحل من قصائد وموشحات، هو أصيل تراثي، وهذا بفعل تنشئته الموسيقية التي أشرنا إليها. وفي غنائه، كما صرح لي في ذلك الحوار؛ يهمه أن يخلق الفرح في الإنسان لأن الفرح في نظره جوهر الغناء، لا كما يفعل بعض المطربين بحيث يغنون للموت مثلاً وهم يحيون الأعراس!
كانت شواغله الفنية أن يقدم التراث اعتقاداً منه أن هذا الكنز هو هوية بلدنا، فبالإضافة إلى تقديمه للمحافظة عليه، يقول: نحن نقدمه لكي نثبت للآخرين مقدرة حضوره في هذا العصر وأنه يستطيع الاستمرار إلى أكثر من الغد بكثير. وكان الفنان الراحل يحفظ 300 موشحاً من مقامات عدة، وكان يخشى حفظ غيرها لأن كل جديد في الحفظ سيكون على حساب ما في ذاكرته من موشحات.
أسّس الراحل الحفار خلال مسيرته الفنية فرقته الخاصة من منشدين وعازفي مزاهِر، وأحيا الأماسي الطربية في حلب وغيرها من المدن السورية. لكن تبقى حفلاته خارج سورية، في فرنسا برفقة معلِّمه صبري مدلل، هي المحطة الأبرز في حياته في أعوام 1975 و1995 و1999. وكذلك حفلته في بيروت ضمن مهرجان “موسيقى ــ1 ” بدعوة من جمعية “عِرَب” في نيسان 2006. ولقد اعتبر الفنان الحفار بعد رحيل صبري مدلَّل عميد المنشدين الحلبيين؛ أبرز الشيوخ الأحياء على صعيد تراث الإنشاد الصوفي بلُغتَيْه الدينية والدنيَوية. دون أن يحسب أنه الوريث الوحيد لهذه المدرسة، لكنَّه الاسم الأبرز فيها، وخصوصاً في فرعها الحلبيّ. والمحطة الثانية البارزة في حياة الراحل الحفار هي أن معهد العالم العربي في باريس وبعد الإصدار الوحيد الذي خصَّصه للمعلِّم الشيخ صبري مدلَّل، التفت إلى حسن الحفَار وخصَّه بألبوم استثنائي، بـ “كاتالوغ” ضخم غطى العالم العربي من المحيط إلى الخليج. الإصدار حمل عنوان “وصْلات حلب”، وضمّ ثلاث أسطوانات، يليق بصاحبه ويعطي فكرة شبه كاملة عن فنّ الغناء الحلبي عموماً و”طقوس” الحفّار وميزاته خصوصاً. وثمة من يرى أن أداء الراحل الحفّار لا تشوبه شائبة. هو عبارة عن عمل متقن إلى أقصى حدود، يعكس معرفة مطلقة بأسرار الفن. كذلك يدل على تناغم قلّ نظيره بين الفرقة وشيخها. وبعد، هل يمكن لمن انتشى بصوت الفنان الراحل حسن الحفّار وزاره في بيته أو عرف موقعه، ومرّ بقرب قلعتها الشامخة أن لا يلتفت للجهة الأخرى حيث كانت قلعتها الثانية.
طباعة

التصنيفات: ثقافة وفن

Comments are closed