آخر تحديث: 2020-04-02 05:35:38
شريط الأخبار

نظافة

التصنيفات: زوايا وأعمدة,على ما يبدو,غير مصنف

لعلَّ من نافع القول ونافلتِه، أنَّ كُلَّ مايزيدُ عن حدِّه ينقلبُ إلى ضدِّه..، وأهلُ البصيرة يقولون: مَنْ أكثرَ من شيءٍ عُرِف به، فيُقالُ: فلانٌ مُحبٌّ كريم، أو خيّر معطاء ، أو بَرٌّ صادق …، وكذا يُقالُ في النقائض، ولكنَّ الإكثارَ والمُبالغةَالشديدة في بعض العادات المُحبَّبة قد يجعلها مكروهةً أو ضارّة وربّما تحوّلت إلى بلاءٍ ينغّصُ على المرءِ ومُقرَّبيهِ ومُحبّيه حياتَهُم قهريّاً، ولا بُدَّ والحال هذه منالتعوّذ والتزوُّدِ بقدرٍ كبير وواسع من الحِلم والصبر والتروّي، يساعدُ على تجرّع أو تجاهل المرارة، على اعتبار أنَّ المبالغة قد تتحوّل إلى عادةٍ قهريّة ، إذا لم يأخذ صاحبُها بأسباب الموضوعيّة العقلانية والوسطيّة الخيّرة في ممارسة أيةِ عادةٍ من العادات، ورُبَّ أكثر العادات ينطبق عليها ذلك، هي عادةُ النظافة، وهي من أحسن العادات وأجملِها وأكثرِها قرباً من قيم الرقيّ والذوق والأدب، ولكنّ المبالغة والتفكير المُفرط  فيها يحوّلها إلى غير ما يُرادُ منها ويُتوخّى، ومن غريب العجب أن نرى أنَّ ما كان متعارفاً عليه بمصطلح  (وسواس النظافة) كظاهرةٍ فرديّة يُلتمسُ لها دواءٌ على أنّها داء، صارت مطلوبةً وبشكلٍ علنيٍّ وفي كُلِّ أرجاء المعمورة على أنّها الدواء، فإذا كان من أبرز سمات (مهووس النظافة) الإفراطُ في غسل اليدين، فإنَّ على العالَم كُلِّ العالم اليوم الإفراطَفي غسل كُلِّ أديمٍ وكُلِّ أداةٍ وكل سطحٍ ، وكل جامدٍ ومتحرّك وكل أخضر ويابس ،وكل آكلٍ وكل مأكول ،وكل وكُلِ وكُل.. وكُلِّ شيء، من أبسط الأشياء إلى أعقدِها.. فيا لها من بليّةٍ تُضحكُ ولا تضحك ، حتّى تكادَ تُخرجُ الحليمَ عن حِلمِه، وكأني بالعاقل في لحظةٍ هاربةٍ يلتقطُ بعضَ حلمه فيتلقّى كلماتٍ من رحمة  الحكمة تقول: (ليت أنكم عُنيتم قليلاً فيما مضى من أعمارِكُم بنظافة نفوسِكم وقلوبِكم، إذن لما كنتُم الآن بحاجةٍ إلى هدرِ كُلِّ هذه الآلافِ الآلاف المؤلّفة من أطنان الصابون وفصيلتهِ السفسطائية)أجل، لقد نُسِينا لأننا تناسينا ونَسينا.. (توجّهوا إليَّ بقلوبكم فأنا لاأريدُ صورَكم)

طباعة

التصنيفات: زوايا وأعمدة,على ما يبدو,غير مصنف

Comments are closed