آخر تحديث: 2020-04-01 14:40:34
شريط الأخبار

احتراق الزّمن

التصنيفات: رؤى عربية

لا نرى الزمان جهرة، ولكننا نرى آثاره في كل فعل، حتى فعل الكلام. احتراق الزمان يعني احتراق الأمم والحضارات، فالزمن المحترق هو الزمن المفرغ، مسمّى زمان، ولكنه في الحقيقة فجوة عدمية في مسار كائن لا هو أحرز مهامه الأنطولوجية ولا هو حقق منجزه التّاريخي، وكلما انحدر الكائن جنوباً أصبح كائناً عصيّاً على البرمجة، لأنه يملك خاصية فريدة في السير على خطا اللاّزمان.

احتراق الزمان يعني احتراق الوجود، والكائن الذي آنس السير على طريق اللاّزمان هو بالأحرى كائن يسير في مسار مناهض للأنطولوجيا. وهناك مرتبتان من هذا المأزق:

– في حدود المأزق التّاريخي، نحن نسير متلكّئين، لا نميز بين السير إلى الأمام والسير القهقرى.. لنتحدّث عن الحركة الموضعية، وهي وإن كانت تجلّياً من تجلّيات الحركة الجوهرية، فإن حركة الأعراض دالّة عليها.. الحركة الموضعية هي أضعف جوانب تلك الحركة. والغالب على حراك الأمم الكسولة هو السكون والدبيب عند الاقتضاء، فهي كائنات غير تاريخية حتى بحساب الزمن التّاريخي العام، وفي هذه المرتبة هي كائنات متخلّفة، غير معنية بحساب العلل والأسباب، حتى على صعيد التفكير يبدو الزمان متاهة أخرى خارج اختصاص وجودها.

– وفي المرتبة الثانية نكون أمام معضلة أشدّ، فأن نجعل الزمان خارج اختصاص الوجود يجعلنا نتساءل: أي وجود هذا؟ فالزمان الهارب من الوجود لا يفعل سوى أن يعطينا فكرة عن طبيعة الوجود هنا، ليس بوصفه بالفعل غير زماني بل هذا يؤكّد على أنّ وجوداً كهذا يعكس جمود الزمن الذي لا ينفكّ عنه، وسترى أنّ هذه الكائنات لا تبالي بالزمن الذي يحترق في جوفها، ولا الوجود الذي يحترق في صميمها، ذلك لأنّ الزمان معيار الحركة وهو تجلٍّ لإنجازاتها أيضاً والكل هو نفسه شأن لهذا الكائن بمعيار الوجود، فهو زمانية ثاوية في الوجود، فحين يفتر هذا الأخير يفتر معه كل شيء مما هو من شأنيته، وإن تلاشى تلاشى معه الزمان، فلا تنظر إلى الزمان كموضوع هناك خارج الوجود، فإن سؤال “الأين” ها هنا مندمج في سؤال “المتى”، وسؤال “المتى” مندمج في سؤال “الكيف”؟ وكلها شؤون لا أقول فقط إنها دالة على حراك الجوهر بل إنها في نظري مستويات لهذا الحراك، وهي تعكس شؤونه وحالاته.

يحدث هذا في حياة الفرد وفي حياة الجماعات، ولكن وجب الالتفات إلى أنّ القلق الوجودي يمنحنا هذه القدرة على تحسّس الزمان الثاوي فينا، فمع فورة كل خبرة وجودية يتحرر الزمان الوجودي ويصبح للتّاريخ شأناً آخر، فالتّاريخ بُعد من هذه الزمانية لكنه ليس البُعد الوحيد، ولا يعني (الطفر) في الزمن برسم هذه الزمانية التاريخية هو بالضرورة طفر في أعظم شؤون هذا الوجود، بل هو طفر خادع أحياناً ما لم يكن في المسار الذي تقتضيه كمالات الكينونة وحاجاتها الأنطولوجية.

احتراق الزمان يعني احتراق الوجود، يعني انحطاط الكائن، يعني الباب المسدود، فالبشرية تستطيع أن تعيش التاريخ سواء الطفري وحتى الموضعي والانسحاب من التاريخ، لكنها لا تصمد أمام آفاته، وتُباد، وتُنسى، وتضمحلّ، إنها كائنات بقلية -نسبة للبقول- كائنات دنيا، خضراء الدمن فوق أسوار التّاريخ المتصرّم، ليس السؤال هل تستطيع أن تعيش على سبيل التحضر أو التوحّش، بل السؤال الذي لا زال يشكل غربة الفيلسوف: هل تستطيع البشرية أن تتصالح مع حاجاتها الأنطولوجية؟

في المجتمع الوحشي الذي اختار طريقاً بدائية في التّكيّف كجزء من الطبيعة، لم يأبه لا بالطفرة التّاريخية ولا بالحاجات الأنطولوجية، وجود طوطمي لنقل عيش على سبيل المُشاركة بتعبير بروهل، لا يختلف، ليس في الاستعدادات العقلية -هذا بديهي- عن المجتمع المتحضّر الذي يخضع لأنماط جديدة من مبدأ المُشاركة التي تتحدّد بأساطير الاستهلاك اللاّعقلاني الذي يقضم الحاجات الأنطولوجية التي تمّ تقويضها برسم الكائن الاقتصادي المتوحّش الذي رهن سؤال الأنطولوجيا إلى سؤال الاستهلاكوية الاستيلابية، إنه لا يختلف عن الأوّل سوى أنّه ديك مذبوح يهرول برأس مقطوع ولا يدري إلى أين يسير قبل أن يبلغ الموت منه محلّه.

إذا نحن التفتنا إلى هذا التشابه بين الإنسان البدائي والإنسان الجديد -كلاهما متحضر برسم ما يستعمله من أدوات العيش وكلاهما متوحّش بسبب نسيان الوجود- وجدنا نمطي مبدأ المشاركة يسريان عليهما معاً كلّ من موقع أهدافه التي تقع خارج السؤال الأنطولوجي، فالجمود في التاريخ كالطفر اللاّ- أنطولوجي فيه هو حركة فارغة تنتهي إلى الباب المسدود، نحن بدائيون يحسنون السير على ماكينة مشي (tapis roulant) لكن أين يوجد في كلّ هذا الجواب على السؤال الأنطولوجي الذي لا زال يفرض انتظاراته: الانتظارات التاريخية الوحيدة التي لا زال الكائن يراوغ ضدّ مباشرتها.

إنه الخوف من السؤال الأنطولوجي حين يُطرح بجدّية ووعي خارج مقالب الأسئلة التّاريخية التي تجيب على أدنى شأنيات الإنسان وتدور مدار الأعراض.

الوتيرتان تفرضان تحدّياً على الكائن: كيف يحارب توحّشه البدائي بالتّاريخ وكيف يواجه توحّشه التّاريخي بشجاعة السؤال الأنطولوجي.

وسترى الكائن يترنّح في أسئلة داخل تاريخ غير متاح له، لأنّه تاريخ يخضع لسلطة الإعاقة، وهو يدور مدار سؤال الرّفاهية والهروب من خطر الندرة، وهو سؤال العلف البشري وذلك الذّكاء التي تفرضه التخمة والطغيان والفقر الأنطولوجي، وداخل هذا التّاريخ ليس الطفر متاحاً للجميع، رهان القوة والغلبة، هنا مكمن التّوحش الجديد، في أدوات الفتك والاستغلال والرّتابة، حضارة التّوحّش: حين يصبح التوحّش حاضراً بعنف ماديّ ورمزي: توحّش كلّياني لا يسمح بوجود مساحات بمنأى عن السّيطرة.

وهاهنا وجب تأمّل الكائن وهو بما بين يديه فرح حتى الثمالة لكنه يُخفي فشلاً ذريعاً عن جعل السؤال الأنطولوجي مطلباً في أجندته المتخمة بغواية التّاريخ، تاريخ أفقي بلا آفاق، يعني منحدراً إلى الباب المسدود، الرتابة، التكرار، وليس في هذا الاختيار أبدع مما كان، لا انتظارات بعد أن كشفت البدايات عن صور المستقبل.

لقد احترق الزمان حين باتت حركتنا محكومة بمقولة الوضع، وبعد أن أصبح السؤال الأنطولوجي يعاني من غربة كائن لا يتقن سوى سؤال الطفر على ماكينة مشي ذكية، بل حين أصبح السؤال الأنطولوجي هو نفسه سؤالاً رثّاً يتدحرج في حافة فوضى المفاهيم.

                                              *كاتب من المغرب

طباعة

التصنيفات: رؤى عربية

Comments are closed