آخر تحديث: 2020-04-02 05:35:38
شريط الأخبار

انتصرنا… ماذا بعد؟

التصنيفات: رؤى عربية

بعد أن أصبح الانتصار على تحالف العدوان قاب قوسين أو أدنى، أصبحت قضية إعادة الإعمار تحتل الأولوية الأولى على جدول الحكومات والشركات، والكل يدلي بدلوه، أو يُعِدّ العدّة للمشاركة في مكاسب المرحلة القادمة. في هذا السياق، تحتل فكرة العودة إلى الوضع الذي كان قائماً قبل مؤامرة «الربيع العربي» صدارة الوعود المُقدمة إلى الشعوب.
تستند هذه الوعود إلى إنجازات الدولة الوطنية التي قامت بعد الاستقلال، فتطرح شعارات كالتنمية المتمحورة حول الذات، وفك التبعية في استعادة لشعارات مرحلة التحرر الوطني التي ميّزت خمسينيات وستينيات القرن الماضي. وتتجاوز تلك الوعود مآلات التنمية التي حدثت في تلك الفترة، ولا تربطها بالواقع السياسي– الاقتصادي– الاجتماعي، الذي نعيشه اليوم.
لم تنظر الدولة «البرجوازية الوطنية» إلى التنمية خارج إطار التبعية للسوق العالمي، ولم تأخذ بالحسبان أن الفجوة الاقتصادية بين الدول المتقدمة وتلك النامية الخارجة من الارتباط بالمستعمر ستؤدي إلى اندماج غير متكافئ، تبقى فيه اقتصادات هذه الدول في موقع التبعية للمركز الأوروبي.
يرى سمير أمين أن مشكلة شعار «التنمية المتمحورة حول الذات» تكمن في خضوعه لقانون الرأسمالية العالمية. فالآليات التي يعتمد عليها، سواء الإحلال (إحلال المنتوج الوطني مكان المستورد)، أو الاعتماد على السوق المحلي للاستهلاك، غير قادرة على تأمين فك الارتباط مع المركز الرأسمالي، فهذه الآليات لا تلتفت إلى المضمون الطبقي للتنمية، بمعنى أن المصانع المملوكة للكمبرادور (الوسطاء) ستتحول بتعديلات بسيطة إلى مصانع لإنتاج البضائع «الوطنية» من خلال التحول إلى أنموذج الامتياز، أي الحصول على رخصة لتصنيع المنتج الأجنبي أو تجميعه محلياً، واعتباره منتجاً وطنياً. ميزة هذا الأنموذج أن المركز الرأسمالي سوف يستمر في الحصول على حصته من الثروة الوطنية، كبدل للامتياز أو الملكية الفكرية، وسيكون قادراً في أي وقت على استعادة ملكية المصنع من خلال قوانين الملكية المحلية، خاصة في ظل رفع شعار استجلاب الاستثمارات الأجنبية. نستطيع القول إن الموقع الجغرافي للمصنع (داخل البلاد أو خارجها) ليس الحكم في موضوع محلية البضاعة من أجنبيتها.
أما فكرة الاعتماد على السوق المحلي، فهي تعتمد بشكل أساس على تضخيم ما يسمى الطبقة الوسطى من موظفين في القطاعين العام والخاص، وأطباء ومحامين ومهندسين، ومالكي الحيازات الزراعية المتوسطة، وأصحاب الورش المتوسطة، ويشكل هؤلاء في مجموعهم «البرجوازية الصغيرة»، التي تمثل الدولة «البرجوازية الوطنية» مصالحهم، أما الطبقات الفقيرة والكادحة من العمال والفلاحين وصغار الكسبة فليسوا قادرين على الاستفادة من هذه التنمية، برغم الشعارات التي لا تتحدث إلا عنهم. مع مرور الوقت سيصل السوق المحلي (الضيق) إلى حالة الإشباع، فتكون الصناعات «المحلية» أمام خيارين؛ الانهيار، أو الانتظام في السوق العالمي و«التكيف» وفق شروط هذا السوق، لتعود الفجوة بين الطبقات للاتساع، وتتلاشى إنجازات الدولة الوطنية، وتصبح الأرضية خصبة للتدخل الأجنبي الاقتصادي والاجتماعي، ليصل لاحقاً إلى التدخل السياسي والعسكري عند الضرورة.
نستنتج مما سبق أن «فك الارتباط» مع المركز الرأسمالي غير ممكن بأدوات الدولة «البرجوازية الوطنية»، ويتعزز هذا الاستنتاج من خلال دراسة تجارب الدول الوطنية خلال العقود الستة الماضية. لو أخذنا تجربة مصر الناصرية، نجد أن الإنجازات التي حققتها الدولة الوطنية، تم التراجع عنها بسرعة في الحقبة الساداتية، لتصل إلى الالتحاق الكامل (التبعية) بالمركز المالي العالمي في حقبة مبارك. إن الوصول إلى الهدف المنشود لن يتحقق إلا من خلال مراجعة قوانين الملكية الخاصة بما فيها الملكية الفكرية، والحد منها تمهيداً لإلغائها، واعتماد خيارات اقتصادية تتماشى مع المقتضيات الاجتماعية والاقتصادية الداخلية.
علينا أن نلاحظ هنا، أن الرأسمالية العالمية كانت تميل خلال العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين إلى التوسع باتجاه الأطراف، لتحقيق اندماجها «غير المتكافئ» مع المركز، ترافق هذا الميل بمجموعة من الأزمات الاقتصادية التي هددت بفقدان سيطرة المركز الرأسمالي على اثنتين من أهم البضائع التي تتحكم بالاقتصاد العالمي؛ الطاقة والتقنية. تجلى هذا التهديد بأوضح صوره في الانهيار المالي عام 2008 الذي هدد سيطرة المركز الرأسمالي على الاقتصاد العالمي.
بعد العام 2008، انقلبت آليات توزيع الرأسمال العالمي باتجاه المركز عوضاً عن الأطراف، فجاءت سلسلة الأزمات التي طالت الاقتصادات الصاعدة، سواء الأزمات السياسية، أو الحروب العسكرية أو الاقتصادية من خلال الحصار والعقوبات لقد تمكن المركز الرأسمالي من استعادة السيطرة على سوق الطاقة، وتحتل الولايات المتحدة الأمريكية اليوم الصدارة العالمية في إنتاج النفط. واستعادت الشركات الأمريكية والأوروبية الكثير من الامتيازات الصناعية التي منحتها لدول الأطراف، كما هو الحال مع شركة «فورد» في المكسيك، و«فولكس فاجن» في البرازيل، وخصخصة عملاق صناعة الطيران البرازيلي «إمبراير».
هل يمكن أن يكون الخروج من النظام الرأسمالي العالمي قابلاً للتحقيق؟
لا شك في أن «فك الارتباط» مع المركز الرأسمالي عملية صعبة واستثنائية، وهي تحتاج توفير مجموعة من الشروط المعقدة والاستثنائية وأهمها حل مشكلة الاختيار بين «الاشتراكية» و«التكيف مع الرأسمالية». حسم هذا الاختيار يترتب عليه اتخاذ مجموعة من الإجراءات والتشريعات التي تتناول بشكل رئيس تشريعات الملكية الخاصة، والاحتكارات، وملكية الأجانب لوسائل الإنتاج. هذا الاختيار على أهميته ليس العامل الحاسم في «فك الارتباط». إن العوامل الحاسمة في تحقيق التحول المطلوب تتمثل في الحراك الطبقي الداخلي وتكوين طبقة عاملة (عمال وفلاحين) مهمة من حيث العدد، وقوية ومستقلة من حيث التنظيم، ومترافقة مع إعادة توجيه الاقتصاد باتجاه القطاعات المنتجة صناعياً وزراعياً، وأن يكون ما سبق متوازياً مع التوسع في قطاع الخدمات، واستعادة دور الدولة الحاسم في توجيه الاقتصاد، وترسيخ دورها الاجتماعي، وتشجيع التجارة البينية الإقليمية.
معركة ما بعد النصر، هي المعركة الأهم لأنها ستكون اللبنة الثانية في صرح المستقبل العربي المنشود.

*كاتب من الأردن

طباعة

التصنيفات: رؤى عربية

Comments are closed