آخر تحديث: 2020-04-09 00:48:06
شريط الأخبار

قوة المجتمع العربي تكمن في تعزيز دور المرأة

التصنيفات: رؤى عربية

لا جدال في أن المجتمع العربي في بعض دوله- والذي قطع أشواطاً على درب التقدم الاجتماعي في أعقاب تحرره من الاستعمار الأوروبي- قد خسر معظمه كثيراً من قوته عندما حاصر دور المرأة على الصعيد العام كنتيجة مباشرة لتنامي الخطاب الرجعي الذي أشاعته التيارات الظلامية التي تتخذ من الدين رداءً وتتكل اتكالاً شاملاً على أموال الرجعية العربية التي تخدم في النهاية سياسات تتفق مع المصلحة الغربية.
الحقيقة، حسب الرؤية الاجتماعية، أن دفع المرأة لكسر الطوق والمساهمة العامة أمر يُعزز من قوة المجتمع ككل ويسلّحه بالإيجابية والمبادرة، لأن إخراج المرأة من «شرنقتها» هو في جوهره رفض للضعف والسلبية والكيد والسذاجة العاطفية، وهي الأفكار التي التصقت بالمرأة تاريخياً بسبب حصار مادي مباشر تعرضت له نتيجة ضعفها الجسدي وتركيبتها البيولوجية.. وفي استمرار وضع المرأة المنعزل تحت لافتة «طبيعتها الأنثوية» مباركة ضمنية للقيم السلبية، بينما يجب تحدي تلك القيم بل وتحدي الطبيعة نفسها وتسخيرها، كما يفعل الإنسان على مر التاريخ وعلى درب تطوره في مواجهة الكوارث وفي السعي لتذليل كل شيء لمصلحته، فهو ينبش التربة ويفجر الجبال ويعطل جريان النهر ويؤسس جسوراً لعبور الخلجان.. ليغير شكل الأرض إجمالاً، وإن كانت البشرية قد تحدت الطبيعة على هذا النحو، فإنه يلزمها أن تدعم المرأة في تحديها لأي معوق يحول بينها وبين دورها العام ولو كان «طبيعياً» لأن مباركة «الضعف والعزلة» تحت زعم «احترام الخصائص والفوارق البيولوجية» ترسخ الضعف والجبن والتردد كثقافة عامة في المجتمع لا العكس، كما إنه يقوض بالضرورة من خصال «الأنوثة الحقيقية» التي تحتاج مجالاً أكثر رحابة وحرية لتتحقق.
وقد لعبت التنظيمات المتطرفة – تتقدمها عربياً جماعة «الإخوان» – دوراً شديد الخطورة على هذا الدرب محكومة في ذلك بأفكارها الرجعية التي تحدّ من دور المرأة وتحاصره، مكررة هذا الزعم الأجوف، وهو: «الحفاظ على المرأة وصيانة عفتها..!!» والنتيجة كانت هدم الجماليات الأنثوية ومحاربة مجالات ظهورها وترسيخ الضعف ثقافةً عامة يجب رعايتها!!
والواقع، إن هذه النوعية من الجماعات بأفكارها السلفية ونهجها الجامد الرافض للتجديد والإبداع، تقوم بقهر الإنسان على العموم ذكراً كان أم أنثى، إذ تعمل تلك الجماعات على وأد طاقة الحياة داخل البشر، لكن ضررها سيبدو في حالة النساء أكثر لضعف قدرتهن على المواجهة المباشرة والتمرد. وما يؤكد النظرة «الإخوانية/السلفية» للمرأة «ككائن واهن» هو أنه عندما تم إشراكها في العمل السياسي، لعبوا بها فقط كورقة ممكنة لكسب التعاطف وحصاد جمهور من المشفقين، فمع أي تجاوز من تلك الجماعات تجاه المجتمع بما يستدعي تدخلاً أمنياً، يتم تصدير النساء والتجارة بأي إجراء ضدهن، أما في ظروف العمل السياسي الطبيعية فيقوم هؤلاء بإخفاء المرأة وحصار دورها.
وقد تكامل الدور الرجعي لبعض التنظيمات المتطرفة مع النهج الاقتصادي الذي يميل إجمالاً نحو الأفكار الليبرالية وتحجيم دور الدولة ومباركة الخصخصة، وهذا ما يؤدي في معظم الوطن العربي والعالم الثالث إلى تدهور عام في الاقتصاد وتراخي التنمية فنصبح مجرد أسواق لمنتجات الغير أو أماكن لجلب الموارد، كما تتدهور حقوق العمال إجمالاً.. وعندما تكون البلاد على هذا الحال، تقل فرص العمل في العموم ويتراجع دخل المواطن وتتدهور ظروف العمل، وتظهر الآثار السلبية لذلك في حالة المرأة بأن تفقد الفرصة لأن تكوّن عائلة لنفسها، فتصبح عالة على غيرها وتخسر استقلالها الاقتصادي الذي هو ركيزة أساسية في نضالها لنيل حريتها الاجتماعية. وكما هو حال الدول التي تضمن حريتها السياسية في حال امتلكت اقتصادها القوي، فإن المرأة تضمن كثيراً من قوتها الاجتماعية عندما تعتمد في نفقاتها على ذاتها.
ولا شك في أن فتاوى تحريم عمل المرأة كانت في حقيقتها على هوى بعض الأنظمة التي تخلت عن دورها في التخطيط الاقتصادي بما يضمن توفير الوظائف (كما هو حال النظام في مصر مع سياسة الانفتاح في السبعينيات) فعندما يذمّ رجال دين في عمل المرأة، فإن هذا أوتوماتيكياً يحجّم من قدرة المرأة على المطالبة بفرصة عمل، بل يجعل قطاعاً من المجتمع معادياً لمطالباتها تلك، فتستريح الحكومة من هذا العبء.
على هذا الأساس، فإن قضية المرأة هي جزء من قضية المجتمع ككل، وتدهور أحوالها يكون نتاج خيبات سياسية واقتصادية.. وقد قامت المرأة العربية في العقد الأخير بدور فاعل ضد قوى الإرهاب والتطرف، وشاركت بجسارة في كل الفعاليات والاحتجاجات التي أدّت إلى إسقاط حكم التنظيمات الرجعية في الكثير من العواصم العربية، ربما لأنها الأكثر وعياً بأن ضرراً مضاعفاً سيكون من نصيبها. ومن المؤكد أن الانتصار على هذه المجموعات التخريبية (الداعشية) في عالمنا العربي، لن يكون في ميدان السلاح فقط، بل في ميدان الفكر أساساً، وليس أوضح من المرأة وقضيتها كميدان حرب يستحق أن يشهد نزالاً فكرياً جاداً يسهم في تعزيز حداثة المجتمع ككل ويضيف أرصدة لحساب قوته.

*كاتب من مصر

طباعة

التصنيفات: رؤى عربية

Comments are closed