آخر تحديث: 2020-04-02 05:35:38
شريط الأخبار

انتظارات العقل

التصنيفات: رؤى عربية

وللعقل انتظاراته حين تحيط به أزمة الإرادات، هل يا ترى سنسلّم للعقل بشروطه المتسلطة قيادنا، أم يجب تدبير ما نريد وما ننتظر في حدود العقل؟ ويحدث أن يبلغ العقل الباب المسدود، ونتحدث عن العقل هنا مجازاً لأنّ العقل بكليته لا يحضر، وما ينبغي له أن يحضر في وجودنا المشروط والمحدود، ولكنه يحضر كإمكانية، فأي عقل يا ترى نريد؟..هنا المشكلة.
حين يصطدم العقل بالباب المسدود يستدعي المساحات الأخرى التي تدخل في مجال اللاّمعقول، لنتذكّر أنّنا نحدد اللاّمعقول فيما ليس مشمولاً في المعقول وفق التعريف بالضّد، ذلك المعقول الذي لا يتنزّل إلاّ بصفته تشارطيّاً. وتعمل الإرادة أيضا دوراً رئيساً فيما يجب فعله، فهي ترغم هذه الإمكانية على التصدّي لما يفوقها أو ما يتطلّب استدعاءً لتلك المساحات التي من فرط الاستجابة للعقل التشارطي نحكم عليها باللعنة اللاعقلانية الأبدية.
حين يصطدم العقل بالباب المسدود وتعجز الإرادة عن تحقيق التجاوز التشارطي المطلوب، تصبح المُعاقلة ضرباً من المُغالطة، ويصبح المعقول في مثل هذه الحالة كامناً في «هَيُولاه»/«جوهره» بينما تنقلب المُعاقلة إلى فعلٍ ضدّ خروج المساحات الجديدة من المعقول الكامن إلى الفعل، وهو الدور الأخطر في تاريخ العقل ضدّ العقل، أي حين ترفض بعض ممكنات العقل إخلاء المجال لممكنات جديدة.
ولهذا المنحى المأسوي- لاصطدام العقل بالانسداد- تجلّيات في تدبير الحقيقة والمعنى والمفهوم، هذا العقل أو لنقل هذه الإمكانية المشروطة من فعل التعقل حين تفقد شحنتها تصبح أداة للجهل والتبرير والخداع. فالعقل هو أيضاً ضحية لهذه المأساة، بينما ترتهن الإرادة لجدل الشجاعة والخوف من المعرفة. ففي كل ممارسة معرفية نحفر طريقاً لإمكان عقلي جديد، فالممارسة تستدعي آخر العقل. لا يمكن للمعرفة أن تتطور باستمرار وعبر كل هذا التاريخ بأدوات محدودة ،تلك التي نسميها العقل، لكن العقل مكتمل في حدود الحسّ السليم وفي حدود القوة، لكن العقل بالفعل هو أقلّ مما يُعد في مجمل العقل، كما إن المعقول هو أقل مما يعدّ في مجمل المعقول.. وهكذا، فإنّ الكائن اليوم لا يعيش منتهى عقلانيته ولم يستوف منتهى معقوله، ولكنه في هذا المسار الخانق لا يفتأ أن يكرّر ما هو حاصل وموجود، حيث تطغى الإيمائية والتمثّلات غير المنتجة للمعاني والمفاهيم.
يصبح التكرار- بناء على هذا الجزء التشارطي من العقل- هو في نهاية المطاف بنية تاريخية محدّدة تحيط بها شبكة من المصالح تجعل من الصعوبة استدعاء مزيد من المساحات الأخرى الممكنة للعقل، فهذا ما يمكن عدّه من العادات العقلية السّيّئة التي تتحوّل إلى مجرد فعل عقلي ضدّ العقل، أي توجيه آلية المساحة المستنفدة من العقل ضد المساحات الأخرى غير المستهلكة، وتلعب الإرادة هنا دوراً في الترجيح والتمكين والحجب والتجاهل.
إنّ مؤامرة الإرادة ضدّ العقل تضعنا أمام مؤامرة الجزء المستنفد من تلك الإمكانية العقلية ضدّ الممكنات العقلية الأخرى، ويعود هذا إلى عجزنا عن الإحاطة بكمال العقل، فنحن لا نستعمل منه سوى مقدار ما نستهلكه من استنشاقنا لجزء من الهواء، لكن قابليتنا لاستنشاق الهواء المستنفد تظل قائمة. فالعقل هو نفسه يظل شاهداً على فعل التقطيع والاستعمال الجزئي لمساحاته، واللحظة التي يُعبر فيها عن عجزه هي اللحظة القصوى التي تستدعي آخر العقل، غير أنّ إمعان الإرادة في استنزاف ما تبقى من وصلات العقل هو بداية اللحظة المأسوية للعقل.
إن ما يبدو عقلاً كاملاً هو مستودع هَيُولاني للاستهلاك، هو احتياطي يحتوي الزمان والمكان المتاحين، فالمشكلة فيما يبدو لا تتعلّق بالعقل وضد العقل بل تكمن في كيفية تدبير هذا الاستهلاك والوعي بقيمته، فالعقل أكبر من الشروط التاريخية التي يعمل وفقها، وإذا شئنا الخروج بالاصطلاح من حالة الالتباس التي تُخلفها الثنائيات الكلاسيكية، يمكننا الاحتفاظ بالعقل النظري مقابل العملي للضرورة، وأن نحدث مقابلة بين العقل كمادة خام مقابل العقل المصنّع الذي تفرضه الشروط التاريخية والسوسيو- ثقافية.. ما نستهلكه من إمكانية للعقل وما لم نستهلكه بعد. ويحدث هذا في العقل الجمعي كالعقل الفردي فمستويات التعقل تخضع لهذه التشارطية، فيختلف العقل من طبقة اجتماعية إلى أخرى، من أمة إلى أخرى، من فرد لآخر، ليس بالضرورة في مستوى القدرات الذّاتية بل نتيجة هذا الاختلاف التشارطي.
ومن هنا يصبح الحديث عن العقل الكوني ممكناً في حدود العقل بالقوة، لأنّ تصريفات العقل بالفعل تخضع لتلك التشارطية. هذا لا يعني غياب المشترك، ففي تلك الوصلات الجزئية من ممكنات العقل تحضر الصورة الكونية للعقل، لكنها في إطار الفعل التعقّلي هي تحضر خارج مقتضيات الشروط، تصبح الكونية رغبة وأحد انتظارات عقل غارق في شروط مُعاقلاته التّاريخية.
إنّ الوعي بأننا نواجه الباب المسدود إزاء هذا المستوى من التفكير الذي يعبر عن أزمة حقيقية وانحطاط المعنى المتسامي للعقل، بات يتطور يوماً بعد يوم.
نحن نعيش مرحلة استنزاف آخر وصلة من مساحة عقلية استنفدت أغراضها، ونحن – في محاولة «عصر» ما تبقّى من إمكانيتها- لا نستهلك سوى جزء من قشرتها، ونعاند في ذلك مكتفين بنكهة العقل، لأننا عاجزون عن استدعاء المساحة الممكنة الأخرى، فالعقل لم يخرج كلاّ من هَيُولانيته، بل ما يوجد منه بالفعل هو شذرات في ورش مُعاقلاتنا التّاريخية وإنّ بعضاً من تلك الوصلات هي اليوم منتهية المفعول.

*كاتب من المغرب

طباعة

التصنيفات: رؤى عربية

Comments are closed