آخر تحديث: 2020-04-09 00:48:06
شريط الأخبار

سلاماً سلاح…

التصنيفات: رؤى عربية

في البروتوكول العسكري يقوم الطابور العسكري بتقديم البنادق ورفعها إلى الأعلى (سلاماً سلاح) عند مرور القادة العسكريين في استعراض الطابور، كما يقوم الطابور العسكري بتقديم السلاح وتنكيسه نحو الأسفل (تنكيساً سلاح) عند مرو مواكب الشهداء.

في كل مرة أتصدى فيها للكتابة عن بطولات الجيش العربي السوري، أحتاج بذل الكثير من الجهد لتجاوز فيض المشاعر والعواطف التي تسيطر عليّ لأغادر موقع المحلل السياسي، وأنخرط في الكتابة والشطب في محاولة لتقديم تحليل أو قراءة معقولة لما يحدث على الأرض. كثيراً ما تمنيت لو كنت شاعراً يمتلك ناصية الكلمات ليُطوعها في قصيدة تصف هؤلاء الجنود والضباط الذين يحزمون أمتعتهم وأسلحتهم بتعجل الذاهب للقاء الحبيب، وينطلقون لتنفيذ مهماتهم المقدسة بفرح لا يكدره إدراكهم أنهم قد لا يعودون إلى أحبتهم.
خلال متابعتنا العملية العسكرية في إدلب، عانينا مختلف أنواع المشاعر التي تنتاب المتابع الحريص، فمن الفرح العارم على وقع التقدم الكاسح للجيش العربي السوري، وتحريره المدن والبلدات والقرى، وصولاً إلى فتح الطريق الدولي حلب- دمشق، ثم اجتاحنا القلق والتوجس عند انخراط العدو التركي بشكل مباشر في المعركة، واستعادة الإرهابيين المدعومين من تركيا بعض المواقع التي خسروها، ثم عدنا للاحتفال بالتصدي الأسطوري من جانب الجيش العربي السوري وحلفائه للعدو التركي وعصاباته الإرهابية، وإيقاع خسائر مهمة في صفوفه، واستعادة جميع المناطق التي تقدم إليها، والانطلاق لتوسيع مساحة الأراضي المحررة من رجس الإرهاب، والتصدي لطائرات العدو التركي المُسيّرة وإسقاط العشرات منها. كل هذه التطورات صنعت واقعاً جديداً سوف ينعكس على مستقبل الحرب على سورية، من خلال مجموعة من المحددات أهمها:
أولاً: إن الشعار الذي رفعته الدولة السورية عن نيتها تحرير جميع الأراضي السورية المحتلة، لم يكن شعاراً للاستهلاك الإعلامي أو التفاوض السياسي، ولكنه قرار لا رجعة عنه، وإن تطبيقه على الأرض ليس سوى مسألة وقت تخضع لاعتبارات سياسية ولوجستية، لكن هدفه النهائي يتمثل في الخريطة النهائية، هي خريطة تشمل كل ذرة تراب من الجغرافيا السورية، وإن جميع الخرائط الأخرى ليست سوى مراحل مؤقتة.
ثانياً: إن الدولة السورية انتقلت من مرحلة استعادة القرى والبلدات والمدن، سواء عسكرياً أو من خلال المصالحات، إلى مرحلة بسط سيطرة الدولة بكل أجهزتها المدنية والعسكرية على كامل الجغرافيا المحررة. هذا ما أظهره التصميم على فتح الطريق الدولي حلب- دمشق، واللاذقية – حلب، وإعادة فتح مطار حلب الدولي، لاستعادة الدور الحيوي لهذه الشرايين الاقتصادية المهمة.
في الجانب الآخر تظهر عملية إنهاء الفلتان الأمني في مدينة الصنمين في محافظة درعا، عندما قامت إحدى المجموعات المسلحة بخرق اتفاق المصالحة، وحاولت خلق بؤرة توتر في المنطقة، الأمر الذي أُحبط بشكل حازم، وبشكل يدل على أن الجغرافيا السورية المحررة لم تعد تقبل أي نوع من الخروقات، وأن الدولة ماضية في اتجاه إعادة الإعمار على مختلف المستويات. تجلى هذا التوجه بإصدار المرسوم الذي يحدد 13 نيسان 2020 موعداً لانتخابات مجلس الشعب. اختيار هذا التوقيت، وفي خضم المعركة، لإصدار هذا المرسوم، يحمل رسالة للعدو بأن انتصارات الجيش العربي السوري على الجبهات المختلفة ستُجيِّر لمصلحة عملية إعادة الإعمار التي لن تعرف التوقف.
ثالثاً: أشارت جميع التسريبات الإعلامية والدبلوماسية التي رافقت العملية العسكرية في إدلب، إلى أن القيادة السورية أبلغت جميع الحلفاء، ومن خلالهم تركيا والولايات المتحدة، بأن العملية لن تتوقف حتى فتح الطريق الدولي حلب- دمشق والطريق الدولي حلب- اللاذقية، وأن الهدف النهائي سيكون تحرير مدينة إدلب.
رابعاً: أثبتت عمليات الجيش العربي السوري؛ واستراتيجياته التي اعتمدت على فتح أكثر من جبهة كبيرة في وقت واحد، إضافة إلى جبهات صغيرة قطعت أوصال العدو ومنعته من الاستفادة من أي تقدم على الأرض؛ أن القدرات العملياتية واللوجستية لهذا الجيش أصبحت مصدر قلق للعدو. هذا القلق عبّر عنه رئيس حزب الحركة القومية التركية دولت بهشتلي بقوله: «إن الانسحاب التركي من إدلب يعني أن الانسحاب من إقليم هاتاي (لواء الاسكندرون السليب)، يصبح أمرأ ممكناً». هذا القلق يجد صداه لدى العدو الصهيوني، الذي يرى أن النصر السوري يعني أن الانسحاب من الجزء المحتل من الجولان السوري يصبح أمراً ممكناً. هذا الاعتقاد يفسِّر الاعتداءات الصهيونية المتكررة والمتزامنة مع الانتصارات التي يحققها الجيش العربي السوري.
لا شك في أن هذه التغيرات الميدانية، وانعكاساتها السياسية لم تكن لتتحقق لولا التضحيات الجسام التي قدمها أبطال الجيش العربي السوري وحلفائه. لذلك فإننا في الاحتفال بانتصارات الجيش العربي السوري لا بد من أن نخرق البروتوكول العسكري، ونقف أمام مواكب شهدائنا مقدمين السلاح رافعين فوهات بنادقنا إلى الأعلى «.. سلاماً سلاح».

*كاتب من الأردن

طباعة

التصنيفات: رؤى عربية

Comments are closed