آخر تحديث: 2020-04-09 00:48:06
شريط الأخبار

بين «اللغة الخشبية» واللغة الرقمية!

التصنيفات: رؤى عربية

عبّر أحد الأصدقاء عن الغضب من مقاليّ السابقين، وعدّهما هجوماً غير مسوّغ على المثقفين، وانتصاراً للقمع الحاصل بحقهم. وبرغم أنه يصنّف نفسه من اليساريين، فإنه طلب مني مغادرة لغة الماضي الخشبية التي أوصلتنا، في رأيه، إلى ما نحن فيه، وأن أتحدث بلغة اليوم، لغة الأرقام والتقنية التي تقود الدول إلى التقدم الحقيقي، اللغة التي صنعت معجزة سنغافورة، وماليزيا، وكوريا الجنوبية، ودبي، .
لم أجادل ذلك الصديق طويلاً، وسمحت له بتحقيق النصر، لقناعتي أن رأيه يعبر عن رأي الأغلبية في العالم وليس في وطننا العربي فحسب، وهو رأي مبني على ظاهر الأشياء لا حقيقتها.
أعادني هذا الحوار إلى ما كتبه سمير أمين عن النزعات العامة للرأسمالية، وهي نزعات لا يمكن إغفالها. أهم هذه النزعات النمو المطرد لقوى الإنتاج (التنمية) وما يرافق هذا النمو من تعميم لأشكال وممارسات خاصة بالنظام الرأسمالي، كتقسيم العمل، ونظام الاستئجار« leasing» وأشكال الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج.
جاءت الليبرالية لتربط هذه النزعات الرأسمالية بمفاهيم سياسية واجتماعية، مثل حرية الرأي والديمقراطية وحقوق الإنسان، ولتقدم لنا الأنموذج الرأسمالي الإنساني الذي اجتذب صديقي اليساري والكثيرين من أمثاله.
ما تغفله هذه النظرة الإيجابية لنمو الإنتاج (التنمية) هو المحتوى الطبقي لهذه التنمية، أو بعبارة أخرى لمصلحة من هذه التنمية؟
إن نمو الإنتاج كمياً في الأطراف، يصب في النهاية في خزائن المركز الرأسمالي، وهي نزعة أخرى من النزعات العامة للرأسمالية، والمقصود هنا التبعية. فهل يستطيع صديقي القول إن كل هذا النمو أدى إلى تغيير حقيقي لأفقر عشر دول في العالم، أو لحل أزمة الغذاء العالمي، أو حتى لتوفير المياه الصالحة للشرب عالمياً؟.. (60% من سكان العالم لا يحصلون على مياه صالحة للشرب).
من الأمثلة المثيرة على هذه التنمية ما حدث في مدغشقر، وهي جزيرة كانت مستعمرة فرنسية واستقلت عام 1960.
تشتهر هذه الجمهورية بالزراعة، وقبل عام 1990 كان معدل دخل المواطن أقل من دولار واحد يومياً، لكنها كانت مكتفية ذاتياً من المنتوجات الغذائية. لم تكن مدغشقر جزءاً من لعبة الأرقام الدولية، لذلك لا توجد إحصاءات لنسب الفقر فيها قبل عام 2000. في مطلع التسعينيات قامت شركتان: أميركية وكورية جنوبية باستئجار أكثر من نصف الأراضي الزراعية لزراعة محاصيل تستخدم في إنتاج الوقود الحيوي.
وترافق ذلك مع تحسين البنية التحتية خاصة المتعلقة بالمواصلات وارتفاع معدل الدخل اليومي للفرد بنسبة (250%) لكن الإحصاءات، تبعاً للمقاييس المعتمدة لدى حكومة مدغشقر، تقول إن نسبة الفقر في البلاد تصل إلى 70.7%.
أيضاً، يكمن الحل الرأسمالي– الليبرالي في تشجيع المشاريع الصغيرة والمتوسطة كما يحدث في بلادنا العربية، لكن المثال الأبرز يأتينا من بنغلادش.
في بنغلادش، وبعد المجاعة التي اجتاحت البلاد عام 1974 قام رجل الأعمال محمد يونس بإنشاء جمعية تقدم قروضاً صغيرة للعائلات (27 دولاراً). حقق المشروع نجاحاً لافتاً فتحول إلى بنك جرامين (Grameen Bank) الذي يقدم خدماته لنحو 2 مليون عميل من خلال 2568 فرعاً منتشرة في مدن وقرى بنغلادش. تشير التقارير المالية للبنك لعام 2017 إلى أن رأس مال البنك بلغ 127 مليون دولار أميركي، وأن الدخل السنوي بلغ 408 ملايين دولار أميركي وأن ميزان الودائع «Balance of Deposits» بلغ 2.5 مليار دولار.
قصة النجاح هذه تغفل حقائق بسيطة أهمها تلك الأرباح الهائلة التي حققها البنك، وأن بنغلادش لم تغادر موقعها بين أفقر عشر دول في العالم، وأن نسبة من يعيشون تحت خط الفقر فيها تتراوح ما بين 45– 50% من السكان، وأن نحو 84% من السكان يحصلون على أقل من دولارين يومياً.
في المسافة بين النمو والتنمية تسكن لعبة الأرقام التي تتقنها الرأسمالية، لتجعلنا نغرق في شبكة معقدة من هذه الأرقام، مثل نسب النمو الاقتصادي، معدلات الاستهلاك، أكبر الاقتصادات وأصغرها، أقوى الجيوش وأضعفها، تصنيف لاعبي التنس العالميين، تصنيف فرق كرة القدم العالمي، أرقام وأرقام تقود المجتمعات إلى سباقات محمومة لا ترتبط بالحاجات الحقيقية لهذه المجتمعات. المرجعية التي تعتمدها كل هذه الأرقام مرجعية رأسمالية استعمارية، فتكون «التنمية والتخلف وجهين لواقع واحد: الرأسمالية العالمية» كما وصفها سمير أمين.
من السهل اليوم الاستهزاء بفكرة فوكاياما عن «نهاية التاريخ» لكن ألا نقبل جميعاً بفكرة مفادها أن الديمقراطية الليبرالية هي الطريقة الوحيدة التي توصلنا إلى أفضل مجتمع ممكن.. وأن أقصى ما يمكن أن نتمناه هو أن يكون هذا المجتمع أكثر عدلاً وتسامحاً.. ألا يعني هذا أننا جميعاً أصبحنا فوكاياميين؟
ماذا لو تمردنا على هذا الأنموذج الرأسمالي– الليبرالي؟
يجيب فوكاياما نفسه بأن الحرب، أو التهديد بالحرب «يجبر الدول على إعادة بناء أنظمتها الاجتماعية وفق توجهات القوى المسيطرة على الإنتاج والتكنولوجيا» هذا التصور هو الذي يحكم قواعد الاشتباك بين الرأسمالية والعالم اليوم. ومن هذا السياق، تشن الرأسمالية حروبها العسكرية والاقتصادية على سورية وإيران وفنزويلا وكوبا، وكل دولة تحاول التمرد على «القوى المسيطرة على الإنتاج والتكنولوجيا».
أعود إلى صديقي الذي خانته لياقته اليسارية، فأقول له إننا ندرك لعبة الأرقام والرقمية، وهذا السبب هو الذي يجعلنا نرفض لغتها، ونتمسك بلغتنا «الخشبية، فهذه اللغة تعني أننا نناضل في سبيل استقلال إرادتنا، وتحرير أنفسنا من التبعية، والعيش بكرامتنا، وكلها مصطلحات لا يستوعبها القاموس الرقمي ولا يقبل بها القاموس الليبرالي.

*كاتب من الأردن

طباعة

التصنيفات: رؤى عربية

Comments are closed