آخر تحديث: 2020-03-30 23:33:04
خبر عاجل
إعادة ضخ مياه الشرب من محطة علوك لمدينة الحسكة وريفها الغربي، بعد قطعها ليومين من قبل الاحتلال التركي ومرتزقته
شريط الأخبار

عن التنمية والأنموذج المفقود

التصنيفات: رؤى عربية

دائماً يوجد من «يملكون حلولاً حاسمة لكل شيء»، وفي عمق المآزق هناك دائماً من يملكون تلك الحلول الحاسمة، وأتأمّل هذا الهجّاس والاندفاع إلى الحلول الحاسمة في العلم والسياسات، ويمكنك أن تراقب كيف يتعاطى الكثيرون أيضاً مع الأنموذج التنموي، ففي كل رأس توجد حلول تبسيطية، الجميع «كينز» لأنهم لا يتحسسون أقدامهم في سياق تاريخي يجب القبض عليه في قدرهم الجغرافي، وهكذا حاولت أن أنصت لكي أمنح نفسي فرصة الاستماع وأيضاً تحليل الخطاب الذي يمنحني فرصة أخرى لمعرفة إن كنّا حقاً نسير إلى الأمام وليس إلى الهاوية كما عبّر إدغار موران (الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي المعاصر).
كان التبسيط يمنح إمكانات هائلة لاستسهال الحلول، والأغرب أننا أخيراً اهتدينا إلى معجم اصطلاحي متورّم يمنحنا اللياقة الكافية للإقناع بالوهم، فالحديث عن الإنسان كهدف للتنمية حقّ لكنه يستعمل في الديماغوجية، وسأتدخّل فقط لأجيب عن بعض المفارقات، لأنّ المفاهيم همّ إضافي يفرض مسؤولية أخرى تتعلّق بالتدبير، ولا أدري من أين نبدأ، غير أنّني لا أخفي أنّ معضلة التنمية تعيدني إلى الإشكال الذي لم يتم تجاوزه والأسئلة التي لم تتم الإجابة عنها حتّى الآن، فالفجوة المفاهيمية تعيدني إلى أهمية «شفرة الآوكامي».. (مبدأ التبسيط المنسوب إلى الفيلسوف البريطاني وليم آوكامي).
كنت أحاول إعادة تحليل «شفرة الآوكامي»، وربما ذهبت إلى نقد الحاجة إليها: ما الحاجة إلى إنتاج مفاهيم إن لم نكن بحاجة ماسة إليها أو هناك ما يسوّغها فلسفياً، لكن سؤالي اليوم يفوق وليم آوكامي إذ أتساءل عن الحاجة إلى مفاهيم جديدة إن لم نكن نملك قدرة ومهارة لإدارتها، فالمفاهيم حين توضع في السياق الخطأ تَفسد وتُفسد معها العقل.
لقد غادرت الاهتمام بسؤال التنمية، آخر عهد لي به ما قبل ثلاثين عاماً، ككل من أدرك معضلة التنمية في العالم الثالث، حلّلت بما فيه الكفاية أدوات المركز في إحكام الهيمنة على الجنوب، وثمة تحليل واف لنظام «بريتون وودز» ورصد الأدوار التخليفية لصندوق النقد الدولي ودور الديون والمساعدات في إحكام السيطرة على اقتصادات الجنوب، هذا العالم الثالث غير مسموح له بتنمية حقيقية، كتبت ذلك بانتظام في إحدى الجرائد الصادرة في لندن.
كان كل خبير «ثالثي» مدركاً تلك المعضلة التّاريخية، لكنها سرعان ما تلاشت، وقد عدت لمقاربة هذا الهمّ حين أطلّ الخطاب الديماغوجي للعولمة، وتحديداً القبض على ملخّص السياسة الاقتصادية الجديدة في وثائق الاتفاقية السّريّة (ami)، إجهاز كبير على ما تبقّى من سياسات اجتماعية، ومرت العولة وشعاراتها ونحن على حافّة موت الإنسان والكيانات والحضارة المعاصرة، وفي قلب القلق الأممي والحروب ومحق الإنسان، تقلّصت كلّ الفجوات إلاّ فجوة الجنوب والشمال برسم السياسة الاقتصادية.. علينا ألا ننسى أنّ رهانات التنمية في منظومتنا الثالثية هي حكاية أخرى، لكن ما بال أهل العالم الثالث يعتقدون أنّ الأنموذج التنموي هو قصة نقاش عمومي، كيف نقاوم ديكتاتورية رأس المال بديمقراطية توزيع الحق في الكلام وفي سياق جهل تاريخي بدور الإمبريالية في تقويض حلم التنمية؟
كم كان مؤلماً أن نسمع بعضهم يتحدّث عن أنموذج هنا وهناك من دون حفظ حدود الجغرافيا، التنمية ليست فرصة لتدوير زوايا الديماغوجية بل هي نهضة لا تتوفّر على مقومات حقيقية، يجب أن نناور بالتنمية – هكذا تحدثت مراراً- علينا أن نجتاز بها في صمت وفي ديكتاتورية أيضاً، لأنّ التنمية تُنتزع من قلب معادلة الصراع وليست فرصة للنّقاش.. نتساءل إن كانت الأحزاب السياسية تملك أنموذجاً تنمويّاً، وهل استطاعت أن تقدم أنموذجاً ناجحاً في إدارة اقتصادها الداخلي؟.. سؤال التنمية هو سؤال جيواستراتيجي.
في صلب هذا التورّم في المصطلح وسوء تدبيره ضاع سؤال التنمية ككل الأسئلة، وأحسب إدغار موران قد وضع اليد على الجرح وهو يعالج الموضوع من جهة تنمية التّخلّف، إنّ مسارات التنمية باتت محصورة وموجهة ومختزلة، وهي حتى في اتجاهها هذا تؤدّي دوراً يتهدد حضارة الإنسان، والتساؤل هنا: أين يوجد الإنسان في المثال التنموي على المدى الحضاري البعيد فضلاً عن استحالة التنمية حتى في سياق الأنموذج المركزي، لأنّنا محكومون بلعنة العالم الثالث.
وينتهي التبسيط أحياناً بالمُلاوغة، وهناك من يتحدّث عن الاستقرار ليس كشرط للاستثمار بل كموضوع للاستثمار، وأمام هذه الديماغوجية الجديدة ابتعدنا قليلاً عن جوهر الإشكال، فالاستقرار ليس مُعطى، ليس مادة خاماً، الاستقرار هو موضوع أكثر تعقيداً، الاستقرار قد يُصار إليه بالحرب، ليس كل هدوء استقراراً وليست كل حرب نقيضاً للاستقرار، علينا أن نُخرج مفهوم الاستقرار من هذا التبسيط الديماغوجي ونعيده إلى المحور الجغرافي للتاريخ، لكن إن كنت تسأل لماذا نحن محظوظون فعلينا أن نسأل طيراس (هنري طيراس أو تيراس/مستشرق فرنسي) والحتمية الجغرافية لعزلتنا، لكنها العزلة التي لها ما لها وعليها ما عليها.. ستجعلنا الجغرافيا أحياناً رهائن لخيارات معينة، أوعلى الأقل ستحشرنا بعيداً عن المشهد الأنغلوساكسوني وإمكانات أخرى في السياسة والاقتصاد.. فالاستقرار هنا له مقابل وله أيضاً ضريبة ندفعها من الرأسمال المادي والرمزي للمصير، إنّ الاستقرار حاجة وهدف، ونحن نفكّر في التنمية التي تحمي الاستقرار أيضاً حتى لا يتحول الاستقرار إلى عنصر ابتزاز، فلا وجود لجغرافيا غير متحرّكة.
قال أحدهم: لدينا الأنموذج الفلاني، نأخذه ونطبقه والسلام، ولكنه لم يدرك ما مقصودي من الكلام عن استحالة وجود أنموذج تنموي. يوجد إطار واتجاه للتنمية وأنموذج بالمعنى الكلاسيكي للعبارة: نموذج رأسمالي أو اشتراكي، لكن أقصد باستحالة الأنموذج كما هو مفهوم متداول يتحدث عن نماذج «دولانية» (أي سيطرة الدولة) كاليابان أو فرنسا أو تركيا، ليس فقط لاستحالة تطبيق هذه النماذج بل لاستحالة مبدأ النمذجة نفسها، فكل بلد يصنع أنموذجه الخاص.
يبدو أنّنا لا نتحسس موقعنا من العالم ومن التّاريخ لأننا سقطنا في نمط حشوي من تدوير المصطلح، فالتنمية سؤال عميق وأعمق وما لم يرتبط بمسار نهضوي يقوم على فلسفة خاصّة فإنّنا سنقع في لغو وخطاب تنموي سطحي، وسننتهي إلى الفشل وسنبكي حظّنا العاثر مرة أخرى.

*كاتب من المغرب

طباعة

التصنيفات: رؤى عربية

Comments are closed