آخر تحديث: 2020-04-02 05:35:38
شريط الأخبار

«ليس بين الرصاص مسافة»

التصنيفات: رؤى عربية

هذه الجملة من قصيدة لمظفر النواب يصف فيها بطولة أحد الجنود المصريين، ولعلها هي ما يدور في خلد كل جندي عربي سوري يخوض المعركة ضد الإرهاب على أرض وطنه.
عندما قرأت هذه القصيدة للمرة الأولى، تبادرت إلى ذهني صورة الجندي في المعركة وزخات الرصاص تحيط به من كل الجهات. لكنني في الأمس وأنا أشاهد احتفال جنود الجيش العربي السوري والمواطنين الذين اندفعوا إلى الشوارع تعبيراً عن فرحتهم بتأمين حلب، خطرت لي صورة أخرى، فالحصار لم يكن فقط ذلك الرصاص الإرهابي الآتي من فوهات البنادق والمدافع فحسب، بل أيضاً الحصار الاقتصادي والطرقات المقطوعة التي ضيقت المسافات إذ أصبح التنقل بينها ضرباً من المعجزات.
يتكالب على الوطن السوري الأعداء؛ تركيا في الشمال و«إسرائيل» في الجنوب والولايات المتحدة والناتو في كل مكان، والإرهابيون معهم، في الوقت نفسه يتآمر على سورية بعض من يفترض أنهم أشقاء، فيفتحون حدودهم لمرور العدو، وعواصمهم لغرف عملياته، فكيف صمد السوري أمام كل هذا؟
نلجأ، عادة، إلى كليشيهات متداولة ومعروفة، تبدأ من حب الأرض ولا تنتهي عند طائر الفينيق الأسطوري. كل هذا لا يصف ولو أقل القليل مما قامت به سورية، شعباً وجيشاً وقيادة، خلال السنوات التسع الماضية. لسنا بحاجة إلى لغة جديدة، ولكننا بالتأكيد نحتاج استعمال اللغة بطريقة جديدة، طريقة تتجاوز الكليشيهات إلى عمق المعنى الذي يعبر عن الواقع، كيف نصف تذمّر الجماهير من الأزمة الاقتصادية.. ألا يعكس ذلك نمطاً مميزاً من نظرة المواطن إلى دولته؟.. فهو يراها قادرة على اجتراح المعجزات، فيطالبها بحل كل أزماته برغم ما يعرفه من آثار الحرب والحصار، وهو الذي استمر في الإنتاج والعمل تحت القصف والحصار. يتجلى إدراك المواطن لهذه الآثار باحتفال أهالي حلب في الأمس.. لم يحتفلوا فقط بتوقف قذائف الموت الإرهابية، لكن بافتتاح طريق حلب- دمشق الدولي الشريان الاقتصادي، وبعودة الأمان الذي يسهّل إعادة انطلاق دورة الإنتاج.. لقد احتفلوا لأن المسافة بين الرصاص زادت اتساعاً.
في الأزمات الكبرى تكثر العثرات والأخطاء، وتتفرع الأزمة الكبرى إلى أزمات أصغر تحمل كل منها عثراتها وأخطاءها.ومن المنطقي القول إن الحكومة وحدها غير قادرة على تجاوز مخلفات الحرب، لكن اللغة التي نستخدمها، والدعوات ذات الصيغة الإنشائية لا تقدم الإجابات المناسبة، ولا تقدم كذلك الوسائل التي تتيح لهم المساهمة في تخفيف أعباء الأزمة ليكتمل النصر الذي يلوح في الأفق، ويكون فجراً جديداً وحقيقياً بعيداً عن الشعارات الرنانة.
يقع العبء الأكبر في تغيير لغة الخطاب على المثقفين والمبدعين الذين يمتلكون قنوات تواصل مع الجمهور. والمهمة الملقاة على عاتق المثقفين هي التأكد من هزيمة العدو ثقافياً، كما هزمناه عسكرياً وسياسياً. الوهم الأول الذي علينا الحذر من السقوط فيه يكمن في فكرة امتلاك مناعة ثقافية ما، فالتجارب المحيطة بنا تثبت أن العدو الذي هُزم في ميادين القتال، انتصر في المعركة الثقافية، ويكفينا إلقاء نظرة على جزائر ما بعد العشرية السوداء، ومصر ما بعد مرسي، وتونس ما بعد النهضة، علينا أن نرى بوضوح سيطرة الفكر السلفي الوهابي، وتمكّنه من خلق مجتمعات منغلقة تميل إلى التطرف، مع تراجع واضح في كل ما يتعلق بالتقدم الاجتماعي.
الأزمة التي يعيشها المثقفون تكمن في عزل أنفسهم عن الواقع، وطرح موقف توفيقي فيما يتعلق بالنزعات والأفكار المتصارعة في مجتمعاتهم. ينزلق هذا التوفيق في الكثير من الأحيان إلى التلفيق، عندما يطرح حلولاً غير واقعية، وأحياناً رومانسية، لمشاكل الواقع، فيجيّر العجز عن تطبيقها لمصلحة الفئات الأكثر محافظة وتشدداً داخل المجتمع.
الوحدة الوطنية من أكثر المصطلحات التلفيقية التي يلجأ إليها بعض المثقفين، متجاوزين المعنى المباشر للمصطلح الذي يشتمل الوحدة على قاعدة الوطن ومن أجله، إلى الوحدة مع أعداء الوطن. فالفكرة التي يحملها ويطرحها الإسلامي التكفيري، أو الليبرالي المستنجد بحلف (الناتو)، خيانة، وليست وجهة نظر يمكن أن ننحيها جانباً لنبحث عن المشترك بيننا.
شعار تلفيقي آخر، يحبه الليبراليون هو الموضوعية. من خلال هذا الشعار تتم المساواة بين طرفي الصراع، بين الوطني والخائن، بين الجندي الذي يبذل روحه في سبيل وطنه والإرهابي الذي يعتدي على جيش الوطن. فتغيب الجرائم التي ارتكبها الإرهابي ومن خان الوطن وسط ضباب هذه الموضوعية. عندما يتعلق الأمر بالوطن فالانحياز له هو الحقيقة الوحيدة، وتتحول الموضوعية إلى تهمة لأنها ليست سوى كذبة ليبرالية رأسمالية هدفها ترك أكبر عدد من الناس من دون موقف جذري، وإحداث الكثير من الفجوات في جدار الوطن ينسل منها كل خائن ومتآمر.
في المسافة بين الرصاص، مهما بدت ضيقة، يقع مكان المثقف في المعركة، ليجعل من تضحيات الأفراد وقوداً لتحرير الوطن وانتصاره، لا أن يجعل من الوطن وقوداً لإحراق أفراد يختلف معهم، طامعاً بنصر شخصي على حساب الوطن.
لقد كشف ما يسمى «الربيع العربي» عورتنا الثقافية.. تحول الكثيرون من مثقفينا إلى مثقفين يحلمون بالعالمية على الطريقة الليبرالية، وحولوا معاناتهم في الواقع إلى مظلوميات وبكائيات يرتزقون منها، ويسوّغون من خلالها الكثير من الانحرافات بما فيها الخيانة.
على الجانب الآخر، يقف بعض المثقفين مواقف متشددة منفّرة مُدّعين أنهم في صف الوطن، في الوقت الذي تعتمد فيه طروحاتهم ولغتهم على التخوين وإبراز الذات على حساب الآخرين.
واجب المثقف اليوم، الرجوع إلى الشارع، والانخراط في الهمّ اليومي، وتطوير طروحاته بالاتجاهين، حيث يكون صوت المواطن لدى الحكومة، وصوت الوطن في الشارع. في الوقت نفسه على بعض الحكومات أن تقتنع بأن محاربتها الثقافة التقدمية والعلمانية كانت اللبنة الأولى في صرح الإرهاب وأن عليها اليوم أن تقف مع تلك الثقافة لا ضدها. بغير ذلك، فإن الاستعمار وأدواته التي أخرجناها من الباب العسكري والسياسي، ستعود إلينا من الشباك الثقافي.

*كاتب من الأردن

طباعة

التصنيفات: رؤى عربية

Comments are closed