آخر تحديث: 2020-04-07 16:20:49
شريط الأخبار

عندما يغطي كسوفُ الرغبة شمسَ العقل

التصنيفات: زوايا وأعمدة

هذه هي الأردوغانية، واحدة من أسوأ أشكال عبث السياسة، إنه العبث القاتل الذي يدفع البشر تضحيات هائلة للتخلص منه..
حاولت مرات عدّة أن أفسر الظاهرة الأردوغانية علمياً بعيداً عن المواقف السياسية، لعلي أجد تنميطاً لهذه الظاهرة التي تكاد تكون فريدةً بشكلها ومضمونها في الفترة الأخيرة..
هل هي جنون العظمة الذي يعمي البصيرة؟.. أم هي الغرق في الأوهام وصولاً إلى الانفصام الكامل عن الواقع وهو ما يسميه علم النفس الاجتماعي بالاستلاب (alienation)؟..
ربما كانت الحالة جمعاً لجنون العظمة والاستلاب معاً، أي إنها حالة مركبة تشير إلى نفسية معقدة جداً لا يبدو أن لها مثيلاً في التاريخ.
شهد التاريخ أمثلة عدة على جنون العظمة لدى بعض القادة، لكنه لم يشهد تطرفاً في الجنون إلى هذا الحد. فمن المعروف أن الجنون، بما في ذلك جنون العظمة، درجات ومستويات. دفع جنون العظمة بنابليون بونابرت إلى أبواب موسكو لكن الروس هزموه شرّ هزيمة لينتهي الأمر به في واترلو مستسلماً لأعدائه النمساويين بقيادة مترنيخ و(حلفه المقدس). أدولف هتلر أنموذج آخر إذ حارب الرجل السوفييت وبريطانيا وأمريكا معاً معتقداً أنه يستطيع الانتصار على الجميع دفعةً واحدةً فانتهى به الأمر رماداً بعد أن حرق الحرس جثته بأمر منه…
من أهمّ علامات مرض جنون العظمة هو أن المريض يتصور الوهم إمكانية والرغبة واقعاً، وعلى الأغلب تكون الرغبة متطرفةً لدرجة أن الإحساس بالواقع ينتهي تماماً.
العلامة الثانية المهمة تتعلق بالسلوك ولغة الجسد. على الأغلب يكون مجنون العظمة منفراً وعابساً.. أنا لم أشاهد على الشاشة أردوغان مبتسماً ولو مرة واحدة.. هو عابس منفر باستمرار حتى عندما يقابل قادة دول عظمى مثل بوتين وترامب وغيرهما..
من الممكن القول إن هذا (البوز) تعبير عن رغبة أردوغان في الظهور قوياً أمام قادة الدول العظمى، لكن ما رأيكم بسلوكه مع مؤيديه في تركيا؟.. هو دائماً يصافحهم بقرف واشمئزاز، بمن في ذلك مؤيدوه المساكين من الشعب العادي في الشارع..
هذا هو الدليل على الاستلاب وانفصام الشخصية، فهو لا يرى الناس لأنه غارق في بئر أوهامه.. الواقع بالنسبة له شيء غير موجود البتة..
هناك دليل آخر على الانفصام الشديد عن الواقع، وهو تصريحاته العبثية المستحيلة التي لا يتقبلها القانون الدولي، ويرفضها الواقع القائم على توازن الأشياء. بل إن المنطق يهزأ منها، لا بل إن العقل السليم.. وحتى العقل غير السليم… يراها مجرد هلوسات..
مثال ذلك تصريحاته عن إدلب وكأنها قطعة من أرض تركية احتلها الجيش السوري، ومثال ذلك إصراره على أوهام عثمانية لم تعد مستحيلة فحسب، وإنما هي أكثر استحالةً من الغول والعنقاء والخل الوفي!!..
التعامل مع مريض من هذا النوع سهل وصعب في آن.. سهل لأن الواقع والمنطق والعقل والحس السليم والقانون الدولي وطبيعة الأشياء كلها تؤكد استحالة تحقيق رغباته، وصعب لأنه عليك أن تتوقّع من شخص بهذا النمط أيّ شيء وكل شيء…
ملاحظة: استخدمت مفردة جنون هنا ليس كشتيمة وإنما كمصطلح مرضيّ، وهو مصطلح معروف في علم النفس السلوكي وكذلك في علم النفس الاجتماعي والسياسي..
mahdidakhlala@gmail.com

طباعة

التصنيفات: زوايا وأعمدة

Comments are closed