آخر تحديث: 2020-04-03 03:47:31
شريط الأخبار

سقوط المعنى

التصنيفات: آفاق,زوايا وأعمدة

تُبنى أعمدة الحضارة على قيم ثلاث وهي: قيم الحق متمثلة في علم المنطق، وقيم الخير متمثلة في علم الأخلاق، وقيم المعنى متمثلة في علم الجمال. وكان السجال الذي يدور بيننا ونحن تلاميذ على مقاعد الدين والدراسة: هل تستطيع الحضارة الإنسانية أن تمشي على ساق واحدة؟ هل تستطيع أن تمشي بعلم المنطق وقوته من دون أن يحمي روحها ومعناها علم الأخلاق وعلم الجمال؟ وهل تستطيع أن تمشي بقيمها من دون قانون ينظّم أمرها وقوة ترعى تطبيقه في أرض الواقع ومشكلاته..؟
وما كنت أحسب يومها أن يأتي زمن على الحضارة فتصبح عمياء فتختلف على قيم الحق والخير والجمال ثم تمشي منكبّة على وجهها بلا غاية أو هدف أو سياسة.
يبدو لي أن سقوط الحضارة بدا مع السياسة أي مع الخطأ الفلسفي في تعريفها بأنها البحث في شروط ما هو ممكن، وليس في شروط ما هو حق وخير وجمال، فانتهى المشهد إلى ما نراه اليوم من حيرة المجتمع الدولي وارتباكاته السياسية العاجزة عن وضع تلك الفاصلة المفقودة بين تعريفها لمصطلح الإرهاب ومصطلح المقاومة.
وما من شك في أن القانون الدولي بخبرته الحضارية الواسعة قادر على وضع هذه الفاصلة.
في زمن تزوير الحقوق والأوطان والأديان تعطل الحوار الديني واستبدل بمشاريع الاستغلال السياسي البشع للدين، وعلى إيقاع هذا التضليل الديني سيغدو كل معارض للمشروع الصهيوني في الشرق الأوسط معارضاً لحكمة الله ومشيئته المقدسة.
وعلى جنائز القيم تبدو فاجعة الشرق لا في تمزيق العالم العربي والإسلامي فحسب، بل في تمويل الإرهاب وتسليحه تمهيداً لقيام إماراته ودوله لإثبات النظرية التي بشّرت بقيام «إسرائيل» منذ عام – 1895 بوصفها المركز الأمامي للحضارة الغربية في مقابل البربرية العربية والإسلامية المتوحشة بصراحة ما كتبه هرتزل في يومياته.
إن ظواهر التمييز العنصري والتطهير العرقي والديني وارتكاب المجازر البشرية وافتعال الحروب الاستباقية كانت كافية بتعجيل إلقاء البصر إلى عوامل تفريغ الحضارة الإنسانية من مضامينها في الحق والخير والجمال.
وغداً أو بعد غد سيكتب التاريخ أن تسخير الأديان لأغراض سياسية هو اللغم الموقوت الذي كان ولا يزال مصدر كل انتحار حضاري عرفته الإنسانية من أقدم تاريخها وحتى فواجع اللحظة الراهنة.

طباعة

التصنيفات: آفاق,زوايا وأعمدة

Comments are closed