آخر تحديث: 2020-04-02 05:35:38
شريط الأخبار

خطاب الاستذآب.. إشكالية الآخر والتسامح المقنّع

التصنيفات: رؤى عربية

ليس الآخر مشكلة يُفجّرها وعي تنقصه الأفكار، بل هو مشكلة تربوية. هناك شعور ينتاب الكائنات البرّية بمجرد أن توضع على مسافة ما من الآخر، وليس بين الإنسان المتخلّف وهذه الكائنات الدُّنيا سوى مرتبة غامضة، وهو ما يعني أنّ الآخر هو مشكلة حقيقية لمن لم يُكمل تحوّله من حياة الهمجية إلى الثّقافة.
ويشكّل الآخر أيضاً عنصراً تكتمل به العملية التواصلية، وهو أيضاً عامل تربوي، إذ يربّي الإنسان نفسه من خلال احتكاكه بالآخر، ويهذّب طبعه البدائي. هذه قضية واضحة بل بديهية، لكن ما هو غير بديهي هو حينما ينزلق «المتعلّم» حتى لا أقول المثقف، في هذا النوع من الهمجية لكن باستعمال مفاهيم تنتمي للثقافة، هنا يستعمل المفاهيم كمخالب وحشية في عمليات الإقصاء التي تعد ميلاً غريزياً وإحساساً همجياً تجاه الآخر.
للهمجية اليوم مظهر يتجلّى في نوعية التصنيف والأحقاد التي لا يمكن إخفاؤها من خلال لعبة المفاهيم، وحين نتتبع الخيط الرفيع الذي يصل هذا النوع من محترفي الهمجية بالمفاهيم، نصل إلى ملتقى تتوحّد فيه الأفكار والمواقف والأحاسيس بشكل تتساقط فيه أقنعة المفاهيم وتتعرّى الطبائع البرّيّة لكائن أسير توحّشه.
وسنلاحظ أنّه عند كلّ حدث أو منعطف تطلّ رؤوس نسناسية يدفعها الجبن للاختفاء خلف مفاهيم عقلانية مُقطّعة الأوصال، وحيث يطغى خطاب التحريض والتوريط و«التبركيك» البدائي (التبركيك: مراقبة الآخر أو الفضول المزعج) وتكون مناسبة لكل مرتزق من العبيد يستعرض فيها خدماته في سوق النخاسة قبل أن يعود خائباً ببضاعته المزجاة، ولا مجال للوقوف عند هذا السعار الذي تستعمل فيه تهمة اللاّمعقول بصورة غبيّة، لأنّ اتهام المخالف باللاّمعقول من دون إتمام مناظرته هو ميل لاستئصاله بتهمة الجنون (الأساليب الوحشية للقرون الوسطى.. هل وقفت على تاريخ الجنون؟) لكن ما هو أنكر من ذلك وأفضح هو التلويح والمزايدة بالوطنية من قبل حرافيش الفكر والمواقف، وهي نزعة موروثة من طبائع برّية أخرى تخفي الرغبة في الوشاية، أي إنها شكل آخر من الاستئصال بأساليب «تمعقلية» تافهة يتفكك عندها هيكل التسامح المُمسرح: كائنات لم يروّضها التّعلم ولا تمكنت منها الثقافة.
وعن هذه الوطنية التي يلوّح بها المتملّقون أحب أن أقول: يجب القول إنّ من يلوّح من حرافيش المجتمع بالوطنية مزايداً على نظرائه في المواطنة هو صنف حقير في معيار التعايش عند الأمم الرّاقية، وهو عادة ما يفترض نفسه حارس معبد الوطنية إذ لا يحتاج الوطني الحقيقي أن يهتف كلّ مرة: علم بلادي جميل، فمثل هؤلاء الأوباش المُقنّعين عادة ما تجدهم ينحدرون من سُلالة الخونة الذين يعطوننا دليلاً قاطعاً عن أنك لو صرّفتهم لأعطوك مثالاً لـ«المحميين الحثالة» كما وصفهم يوماً الشيخ العربي المشرقي في كتابه «الرسالة في أهل الباسبور الحثالة».
ما الغاية حين يحاول كائن عدواني أن يرمي مواطناً باللاّوطنية أو يتعالم عليه بوقاحة وجبن بينما هو أعلم منه؟
واضح أنّ حثالة التحريض والتصنيف التي تعيش مشكلة الآخر تحاول تصريف توحّشها بالوصف لا بالتحليل، وعند الوقوف على شتات ونقائض توصيفها نقف على اجترار بليد لكل ما تجود به مجاري الإعلام الوحشي. ومن مظاهر التّوحّش أن يحاول حرفوش هنا أو هناك تعليم العالم غير المُعلّم أصول العيش وهو الوحش البرّي.. وآداب الحوار وهو الأفعى الرّقطاء.. ومناهج التفكير وهو الجهول.. ومعاني التقدم وهو القنّ.. ومعالم الدّين وهو الزّنديق.. وروح التعايش وهو الذّئب.
لا تكفي كل هذه التمثلات المُقنّعة، فالمعيار الحقيقي للأنسنة هو في الموقف من الآخر، ولكم أعجب من كائن في هيئة صالوبّار(أي أزعر) كله اعورار عقلي وأخلاقي وذوقي، ومع ذلك يوزّع على العالم صكوك الغفران ويمنح نفسه دوراً لا يركب على هيكله.
لكن يبقى السّؤال: من يا ترى طلب رأي حثالة التوّحش المُقنّع في «الآخر».. ما هو هذا الهمّ الذي يحمله المرتزقة لمصلحة الأوطان؟
تسقط أقنعتهم في كل منعطف، فإذا هم بقايا عصور التّوحّش، لكنهم يظلون عاثري الحظّ غير مُقنِعين، تراهم في الرّأي بؤساء وفي الوغى كالحرذون.

*كاتب من المغرب

طباعة

التصنيفات: رؤى عربية

Comments are closed