آخر تحديث: 2020-04-02 05:35:38
شريط الأخبار

أسطورة الموت العادي

التصنيفات: رؤى عربية

من العادات التي اكتسبتُها منذ بداية الحرب الإرهابية على سورية، متابعة أسماء الشهداء الذين يرتقون في معارك الشرف ضد العدو الإمبريالي وأذرعه، ومحاولة حفظ أكبر عدد من هذه الأسماء. ترافقت هذه العادة بمزيج متناقض من المشاعر؛ فالشعور بالألم لفقد هؤلاء الجنود والضباط والمدنيين المؤمنين بوطنهم وقضيتهم، يرافقه شعور بالفخر بهؤلاء الأبطال الذين يعيدون كتابة تاريخ أمتنا الحديث بحروف من ذهب.
عانينا في طفولتنا وشبابنا، كما يعاني أبناؤنا وأحفادنا الآن، من غياب صورة البطل المحلي الذي يشبهنا، فكل الأبطال الذين حملت كتبنا صورهم وسيرهم هم قادة عظام يتربعون في مكان يسمو عن المواطن العادي وحياته اليومية. جاءت يوميات الحرب على سورية، لتمنحنا أبطالاً يشبهوننا، نلتقيهم في الشارع كل يوم، يتحدثون لغتنا البسيطة، ويحملون همومنا اليومية..
لكن هؤلاء الأشخاص العاديون يتحولون خلال لحظات إلى أبطال خارقين، يصنعون المعجزات، يتحولون إلى أساطير تُغني خيال المواطنين العاديين الآخرين.
ثمة جملة لافتة قالها الشهيد يحيى الشغري، في لحظة انهزم فيها المسدس أمام الدم، تحولت كلمتان إلى رمز للصمود في أي معركة، ليس في سورية وحدها بل على اتساع الوطن. أمثال هذا البطل رأيناهم في مطار منغ، ومطار الثعلة، وفي مشفى الكندي، وسجن حلب وجسر الشغور. آلاف الحكايا والقصص سنرويها لأبنائنا. سنروي قصة باسل قرفول صائد المفخخات، وقصة جدوع المحمد العيساوي الذي نعى أبناءه الثلاثة، موسى وخالد ومصطفى الذين استشهدوا في يوم واحد، وقصة بلدة خربة عمو التي تصدى أبناؤها العُزّل مساندين قوات الجيش العربي السوري ضد المدرعات الأمريكية التي حاولت تجاوز الحاجز والمرور عبر البلدة.
هذه الصورة الجميلة، تجعلنا نقف أمام الصورة المعاكسة التي يمثلها آلاف الشباب الذين التحقوا بالتنظيمات الإرهابية، ليس في سورية وحدها، بل في معظم أنحاء الوطن العربي. كيف وصل شاب عربي إلى قناعة تدفعه إلى قتل مدني أعزل، والاعتداء على جيش بلاده، ودعوة العدو إلى احتلال وطنه، أين أخطأنا؟
منذ هزيمة 1967، والمواطن العربي يتعرض إلى موجات من الإحباط ، حتى سادت إيديولوجيا اليأس، والنزوع إلى الخلاص الفردي على حساب الجماعة. لم تكن الهزيمة سبب اليأس، لكنها كانت المادة التي استخدمها المشروع الاستعماري– الرجعي لتصويب سهامه نحو المشروع الوطني القومي الذي حملته سورية ومصر. لقد تم تصوير تلك الهزيمة على أنها هزيمة للمشروع القومي وحده، ودليل على عدم جدواه. تصدّرت هذه الحملة مجموعة من المثقفين الذين قاموا بجلد الذات العربية، متجاوزين عن كل الإنجازات ومتوقفين عند لحظة الهزيمة. تضخمت هذه الحملة بعد وفاة الزعيم جمال عبد الناصر، فتعددت الروايات والأعمال السينمائية والمقالات الصحفية والدراسات التي تحاكم المشروع الوطني القومي، فلا تجد فيه «غير الأخطاء والعثرات».
على مشجب هزيمة حزيران 1967، راكم المثقفون الكثير من التراب على منجزات الأنظمة الوطنية، وأصبح المجال الثقافي محصوراً بين نوعين من الفكر؛ الإسلام السياسي والفكر الليبرالي، الأول فُتحت له أبواب الخروج من السجون في مصر، وشارك في الحكم في الأردن، ونال مليارات الدولارات من معظم دول الخليج خاصة أيام ما سُمي «الجهاد» في أفغانستان؛ والثاني لم يكن فكراً ليبرالياً أصيلاً كما هو الحال في الغرب، ولكنه فكر تابع يعمل على خدمة سيده الغربي وتحقيق مصالحه حتى لو كان ذلك على حساب الوطن وأبنائه.
عمِل الفكر الليبرالي التابع على تشويه صورة البطل المحلي، وأظهر مثقفو هذا الفكر الإنسان الملتزم بقضايا وطنه بصورة «الإنسان الضيق الأفق والمتعصب». وامتدت هذه الصورة لتُلصق بالأنظمة التقدمية وأنها «أنظمة ديكتاتورية وقمعية». في الوقت نفسه عمل الإسلام السياسي على رسم صورة جديدة للبطل، فاستبدل الثائر والمناضل بصورة «المجاهد الغاضب» والمتعطش لقتل الآخر كائناً من كان إذا كان لا يشبهه ولا يتفق مع رؤيته للعالم. هذا «المجاهد» انتمى بفكره ومظهره إلى الماضي الغابر، ورفع شعار استعادة ذلك الماضي لأن الكمال يكمن فيه وليس في المستقبل.
اجتمع الليبراليون الذين يملكون المثقفين والسلطة والإسلام السياسي الذي يملك معظم الجماهير، وسخّروا اتحادهم لخدمة المشروع الاستعماري بأضلاعه الثلاثة؛ الإمبريالي، والصهيوني، والرجعي فكان ما يسمى«الربيع العربي».
في رؤية التناقض بين الصورتين، يمتلك المثقف والمبدع مادته، وهي مادة منحازة لصورة محددة، فالرمادية التي يستند إليها الكثير من المثقفين تحت ستار الموضوعية، ليست سوى انحياز لسردية العدو. فمنذ الرصاصة الأولى التي أطلقت تجاه جندي سوري، أصبحت الحقيقة منحازة، وهي بطبيعتها كذلك، أما الثورة الثقافية التي ينادي بها المثقفون، فيجب أن تكون على القيم الليبرالية الضبابية، على سردية العدو، وعلى تسليع الفكرة والمساومة عليها. هاهم أبناء سورية والعراق ولبنان وفلسطين يقدمون لنا كل يوم قصصاً، أبطالها مواطنون عاديون، ولدوا من رحم المعاناة والحرب، لكنهم تعلموا من صمود الدولة الوطنية السورية وقوى المقاومة كيف يستعيدون ثقتهم بوطنهم وبأنفسهم، فخطّوا كل تلك الحكايا والقصص التي رويتها، وآلافاً غيرها، يصنعها أشخاص عاديون، يخرجون إلى عملهم في المعمل أو الورشة أو المكتب أو على الجبهة، غير عابئين بقوة المعتدي الغاشمة، ولا بجبروته، ولا بالدراسات التي تقارن قوى الدول والجيوش ببعضها.. هم يقومون بما اعتادوا القيام به منذ فجر الخليقة.. يعيشون في وطنهم ويموتون في سبيله.

*كاتب من الأردن

طباعة

التصنيفات: رؤى عربية

Comments are closed