آخر تحديث: 2020-04-02 05:35:38
شريط الأخبار

الصين و«كورونا».. والانتهازية الأمريكية

التصنيفات: رؤى عربية

تواجه الصين منذ نهاية عام 2019 وتحديداً مدينة ووهان وباء كورونا، وهو الفيروس الذي يصيب الجهاز التنفسي وتبدأ أعراضه بالسعال وقد (وليس بالضرورة) يسبب الوفاة، ويعود اسمه إلى الكلمة اليونانية التي تعني التاج، لأن شكل الفيروس تحت الميكروسكوب يظهر بتلك الصورة. وبرغم شيوع الحديث عن الفيروس في الوطن العربي، يفوت كثيرين أن نسخة ما تنتمي إلى العائلة نفسها حملت اسم «فيروس كورونا المرتبط بمتلازمة الشرق الأوسط التنفسية» كانت قد ظهرت في العديد من البلدان ولا سيما في شبه الجزيرة العربية منذ عام 2012 وحتى 2015، وقد تسببت بوفاة نحو 480 مصاباً في السعودية وحدها، وخلص العلماء وقتها إلى أن مصدر الفيروس قد يكون الخفاش أو الإبل وحيدة السنام.
يجتهد العلماء والأطباء الصينيون حالياً وبشكل باهر لحصار الفيروس، وإنتاج أدوية لعلاجه، كما تقوم الدولة بإدارة الأزمة للحد من انتشاره والسيطرة على الأوضاع العامة لكي لا يتحول الأمر إلى فوضى عارمة، أو انهيار للحياة اليومية.. لكن تلك الجهود الصينية الجبارة لا يتم التعامل معها بالتقدير اللازم من جانب العديد من البلدان حول العالم، وعوضاً عن السعي لتقديم المعونة الطبية والمساندة السياسية والإعلامية للصين، تقوم الولايات المتحدة بانتهاز الفرصة تلو الأخرى للإساءة إلى هذا البلد الآسيوي الكبير و«شيطنته» في وسائل الإعلام والإساءة لسمعته، وهي لا تجد بأساً حتى في استخدم الخطاب الديني في ذلك، ولا يقتصر الأمر على استقطاب بعض رجال الدين لمهاجمة الصين، وإشاعة تفاسير غيبيّة للمرض تروّج إلى أن ثمة «لعنة قادمة من السماء هي السبب في كورونا عقاباً للصين على محاربتها للرجل المسيحي الأبيض!!» بل إن واشنطن توسع من جهودها الدعائية فتقوم كذلك بإدارة ملف التحريض على الصين والذي يستخدم خطاباً إسلامياً مزيفاً، وتستخدم واشنطن في ذلك جماعة الإخوان المتصلة بأجهزة مخابراتها، بالضبط كما جرى الحال طوال عقود مضت ضد السوفييت، كما تجيد اللعب بالعاطفة الدينية من خلال صفحات «فيس بوك» وقد اعتمدت في ذلك على التلفيقات الواسعة التي ارتبطت بقضية الإيغور، حين تم تصوير الصين وكأنها «تشن حملة إبادة على أساس الدين أو العرق»، بينما الأمر لم يكن أكثر من مواجهة تخوضها الدولة الصينية ضد جماعات وأفكار سلفية تكفيرية في شينجيانغ مرتبطة بتنظيمات انفصالية سابقة، وجميعها تستقبل دعماً خارجياً.
في شهر كانون الثاني من العام الجاري 2020، لم يجد وزير التجارة الأمريكية، وفي تصريحات لمحطة «فوكس نيوز» حرجاً في أن يعلن صراحة «أن تفشي الفيروس كورونا أمر إيجابي للاقتصاد في الولايات المتحدة لأنه قد يساعد على إعادة الاستثمارات وتسريع وتيرة عودة الوظائف والتصنيع إلى الولايات المتحدة».
إذاً فالولايات المتحدة تضع رهاناً كبيراً على هذا الفيروس، بل وتعقد آمالاً واسعة على أن انتشاره سيتسبب في هجرة الاستثمارات من الأراضي الصينية، كما قد يؤدي إلى حالة هلع عامة من الصينيين ومنتجاتهم، وهنا تكون الفرصة سانحة لتحجيم قوة الصين الاقتصادية الصاعدة، ناهيك بأن مواجهة الفيروس من جانب الحكومة الصينية، قد يشغلها عن توسيع أدوارها السياسية والاقتصادية الإيجابية التي كانت تخطط لها سواء داخل البلاد أوخارجها.
ولعل حالة الحبور والسعادة الملحوظة لدى عدد من الأنظمة الغربية من جراء ما أصاب الصين، هي ما دفع، على سبيل المثال لا الحصر، المتحدثة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا، إلى الإعلان عن أن معظم المشاركين في «مؤتمر ميونيخ الأمني» الذي انعقد على مدار ثلاثة أيام في أواسط شباط الجاري، يميلون جدياً إلى معاداة الصين، ويعدّونها تهديداً!!، وأن هذا المسلك المفضوح في الخطابات التي ألقيت في المؤتمر، شكّل عندها انطباعاً بأن ثمة عملية إعادة إحياء للأجواء الاستعمارية، وأن الغرب لم يعد يعدّ من العار تجسيد روح الاستعمار، وأنه يقوم حالياً بتقسيم البلدان إلى نوع يمكن التعاطف معه ودعمه، ونوع آخر لا حاجة إلى إظهار التعاطف معه، مشيرة إلى أن روسيا وحدها هي من تحدثت عن ضرورة مساندة الصين في أزمتها.
على أي حال فإن ما يجري حالياً من استثمار أمريكي في فيروس كورونا، قد يسهم في ترجيح كفة ما يُقال عن إنه نوع من الحرب البيولوجية التي تقف خلفها هيئات علمية أمريكية، وهو ما جاء بالفعل في تصريحات فلاديمير جيرينوفسكي، وهو رئيس الحزب الليبرالي الروسي، وكان جيرينوفسكي قال إن الحديث المتعلق بكورونا يدور عن أزمة مصطنعة تقف وراءها الولايات المتحدة التي تتصرف بدوافع اقتصادية، إذ يخشى الأمريكيون من فشلهم في مسابقة الصينيين أو اللحاق بهم على الأقل.
على المستوى العربي كان لا يصح أبداً ظهور حالة ما من «الشماتة» من جانب البعض فيما أصاب الصين، أولاً، لأن فيروس كورونا في حال انتشاره فإنه لن يستثني أحداً، ولن يتساءل عن جنسية أو ديانة الإنسان قبل أن يُهاجمه، كما إن دعم الصين في معركتها العلمية والطبية مع الفيروس، هو دعم لطليعة تخوض المعركة ضد الفيروس بجدارة نيابة عن البشرية كلها.
ثانياً، من السذاجة المفرطة اصطفاف البعض بتلك الصورة العبثية خلف المشروع الأمريكي الذي يريد أن يهيمن على العالم ويحاصر أي قوة صاعدة مثل الصين تبشر بعالم متعدد الأقطاب، وأن يستخدم الدين والأخبار المفبركة في ذلك.
ثالثاً، يُحسب للصين جدياً أن لها فضلاً كبيراً في تقديم الحداثة التكنولوجية بأرخص الأثمان، وأنها جعلت من متوسط الدخل نداً للثري في المظهر والهاتف والسيارة.
رابعاً، الصين مفيدة لقضايانا كعرب، وهي مثلاً لم تتورط في غزو العراق عام 2003، ولم تدعم الولايات المتحدة وقتها، كما لم تصوّت لمصلحة قرار فرض الحظر الجوي على ليبيا في 2011، والذي تطور إلى غزو وتحطيم للبلد، كما قدمت الدعم للدولة السورية في معركتها ضد الإرهاب المدعوم خارجياً، واستخدمت حق الـ«فيتو» لتعطيل عدد من القرارات التي كانت تستهدف تسويغ العدوان على سورية.
خامساً، هناك المصالح الاقتصادية المشتركة بين جانب كبير من عالمنا العربي يطمح للنهضة خارج العباءة الأمريكية، وبين الصين الطامحة للصعود الاقتصادي، وهذا ما يجب مراعاته والوعي له.

*كاتب من مصر

طباعة

التصنيفات: رؤى عربية

Comments are closed