آخر تحديث: 2020-03-29 09:40:39
شريط الأخبار

دولٌ وشعوب.. تاريخ وجغرافيا.. و«طرقات الموت».. شهود أبديون على فظاعاتها الإبادة العثمانية بحق الأرمن.. مئة وخمسة أعوام من الإنكار لم تنفع أنقرة في إسكات أصوات الضحايا

التصنيفات: دراسات,سياسة

لا يمكن نسيان مليون ونصف المليون من الشهداء الذين ترافقوا صغاراً وكباراً، رجالاً ونساءً، في «طرقات الموت» التي ساقتهم إليها السلطنة العثمانية – وهم للعلم عائلات بكاملها لتفنيهم على بكرة أبيهم عن سابق إصرار وترصد، فكان جنودها يرافقونهم في رحلة تعذيب طويلة، حتى يلفظوا أنفاسهم الأخيرة، ولا يعودون إلا وقد تأكدوا من ذلك.
ولكن هناك من نجا، محتمياً بدول الجوار وأهلها، خصوصاً سورية، ليروي فصول الجريمة وفظاعاتها وكيف ارتكبها جنود من كانت تسمي نفسها «الدولة العليّة» بدم بارد.. روايات نقلوها للأبناء والأحفاء وأصروا جيلاً وراء جيل على إبقائها شعلة متقدة لا تنطفئ.. اليوم عشرات الدول تعترف بالإبادة الأرمينية كعملية منظمة مُرخصّة تمت بأوامر من أعلى مراكز القرار في السلطنة العثمانية ما بين الـ 1915-1917.. وعندما أتمت الجريمة عامها المئة (في عام 2015) تم تطويب ضحاياها كقديسين شهداء من قبل الكنيسة الأرمنية الرسولية، بحضور رؤساء جميع الكنائس المشرقية وممثلين من الكنيسة الكاثوليكية والروسية والأنجليكانية وحضور كبار مسؤولي الدولة الأرمنية.. وكانت تركيا تنفست الصعداء في مئوية الجريمة، باعتبار أنها ستسقط أخيراً بالتقادم، بعد مرور مئة عام عليها، من دون أن تعترف بها الأمم المتحدة، وبما يجبر تركيا تالياً على الاعتراف بها، ودفع ما تستوجبه من تعويضات للضحايا، وتنفيذ حقوق أخرى متعلقة بإعادة أراض ومبان كنسية، وتمكين الأرمن من الأرشيف الذي يثبت حرب الإبادة التي تعرضوا لها، وكانت تركيا أخفت جزءاً كبيراً منه في العديد من الدول، من بينها بريطانيا على سبيل المثال.
تركيا ما زالت ترفض الاعتراف بجريمة العثمانيين، لكن في كل مرة تخرج دولة إلى العلن لتعترف بهذه الجريمة وتدينها، يشتد الخناق على تركيا فلا تجد أمامها سوى تكرار الأكاذيب نفسها، مُحملة الضحية مسؤولية ما حلّ بها، معتبرة (أنه لا توجد أي وثيقة تاريخية تدينها)، وهذا هو نهج الدول التي ترتكب جرائم الإبادة، وعلى رأسها الولايات المتحدة وجريمتها النووية ضد هيروشيما وناكازاكي، على سبيل المثال لا الحصر.
وعلى نحو عام، فإن أي دولة حول العالم لا تنكر الإبادة العثمانية بحق الأرمن، حتى وإن لم تعترف بها بعد، وبما يعني أنها ستعترف بها لاحقاً، طال الزمن أم قصُر، وهذا ما يثير جنون أنقرة ويجعلها ترد بشكل هستيري على كل دولة جديدة تعترف بالإبادة الأرمنية، وربما السؤال الذي يؤرق أنقرة على الدوام هو لماذا لم تسقط الجريمة بالتقادم، بل لماذا هي في كل عام تمتد وتتسع وتكسب أوراق قوة جديدة، ولماذا لا يصدق العالم أنقرة ويضع نقطة نهاية لهذه المسألة؟
الجواب ببساطة، هو أن الشاهد التاريخي الأقوى في جريمة إبادة الأرمن على يد العثمانيين ليس فقط الوثائق التاريخية، وإنما دول المنطقة وشعوبها التي احتضنت الأرمن الهاربين من جحيم قوافل التعذيب أو «مسيرات الموت» كما تسميها الوثائق التاريخية. شعوب المنطقة تروي حال الناجين، وكيف كان جنود السلطنة العثمانية يطاردونهم في كل مكان لإتمام «المهمة الرسمية» بإفنائهم جميعاً، وكيف كان الأهالي يخبئون الناجين أو يقدمونهم كأولاد لهم أو كأقرباء حتى يبعدوا عنهم القتلة العثمانيين وليفتحوا أبواب المستقبل أمام هؤلاء الناجين لمقاضاة العثمانيين وأحفادهم..

السؤال بشأن لماذا لم تسقط جريمة الإبادة الأرمنية بالتقادم، يوازي السؤال بشأن لماذا لا تنحصر الأحاديث حولها في ذكراها السنوية فقط؟
لا يحتاج أحد إلى كثير عناء ليلاحظ بأن الحديث لا يتوقف عن الإبادة الأرمنية سواء في المناسبات الوطنية، أو الدينية، أو الدولية، أو في التصريحات، أو في الكتب التي تصدر تباعاً وتعرض للحقائق التاريخية التي تؤكد حدوث الجريمة وتدعو تركيا للتوقف عن إنكارها، فهذا لن يفيدها في شيء وهي التي تشهد في كل مرة كيف تُهزم أمام إصرار لا يلين ولا يتراجع من قبل الضحايا على إبقاء قضيتهم حيّة، وكيف أنهم في كل عام ينجحون في الحصول على اعتراف دولي جديد.. ليس هذا فقط، بل يحصلون على «شاهد من أهله» أي من الأتراك، وهم نخبة الكتاب والباحثين والصحفيين الذين يلاحقون الوثائق التاريخية بين الدول ويُضمنونها في كتب، يقدمون فيها الحق التاريخي للأرمن في مقاضاة تركيا، داعين بلادهم تركيا لإنصاف الضحايا، على اعتبار أن الاعتراف بجريمة إبادة الأرمن وإنصاف الضحايا سيكون نقطة إيجابية في مصلحتها، وسيُظهرها أمام العالم بمظهر العادل والأخلاقي.. ولكن هيهات أن يفعل أحفاد العثمانيين وسليلهم أردوغان، فكيف يعترف بجريمة الأجداد وهو الذي يعمل اليوم على إعادة «أمجاد الأجداد» والتصرف مثلهم من حيث أطماعه ومساعيه لإعادة احتلال الدول العربية، أليس هذا ما يفعله أردوغان ضد سورية والعراق وليبيا، ألا يعيد «أمجاد الأجداد» بكل جرائمهم ومجازرهم ضد الشعوب العربية التي استمرت أكثر من أربعمئة عام؟
«أوامر بالقتل»
لا يتوقف الحديث عن الإبادة الأرمنية، كما ذكرنا، وربما يفيد هنا أن نورد أحدث هذا الحديث، وكان بداية شباط الجاري، بصدور الترجمة العربية لكتاب «أوامر بالقتل.. برقيات طلعت باشا والإبادة الأرمنية» للمؤرخ التركي الشهير البروفيسور تانار أكشام والذي كان أصدره عام 2018 (كما صدر له في عام 2017 كتاب «الفعل الشائن.. الإبادة الأرمنية ومسألة المسؤولية التركية»).
عمل أكشام سنوات طويلة على توثيق الإبادة الأرمنية، ووصل عمله إلى ذروته في هذا الكتاب حتى وصفه البعض بأنه «شارلوك هولمز الإبادة العثمانية بحق الأرمن». أحدث الكتاب «زلزالاً في عالم دراسات الإبادة الأرمنية» كما كتبت «جامعة كلارك» الأميركية التي يدرّس فيها أكشام منذ عام 2000 مشيرة إلى أن مفارقة الكتاب «أن كاتبه ليس أرمنياً بل هو كتاب تركي ينسف سردية الإنكار التركي للإبادة».
«الزلزال» الذي أحدثه الكتاب يعود بشكل أساس إلى ما ذكره أكشام في مقابلات عدة بشأن عثوره على ما يُوصف في سياق قانوني بـ«smoking gun» (أي المسدس الذي يصدر دخاناً) بمعنى الدليل الدامغ على جريمة معيّنة.
في الكتاب وثيقة اكتشفها أكشام تشير إلى الدور المركزي الذي لعبته الحكومة العثمانية في التخطيط للقضاء على السكان الأرمن بصورة منظمة ممنهجة بهدف الإبادة ومحو كل ذكر لهم، وتظهر الوثيقة أن أوامر القتل التي وقعها وزير الداخلية العثماني آنذاك طلعت باشا صحيحة، على عكس ما تزعمه الرواية التركية التي كرّست جهوداً كبيرة للتشكيك في صحة البرقيات التي تضمنت أوامر القتل ونُشرت سابقاً. وفي الوثيقة تأكيد على مسؤولية جمعية «تركيا الفتاة» من خلال رئيسها بهاء الدين شاكر عن المذابح التي ارتكبت بحق الأرمن عام 1915 أثناء الحرب العالمية الأولى على أيدي جنود السلطنة العثمانية.
قصة «الدليل الدامغ»
القصة، كما يرويها أكشام، بدأت من مكتب في مدينة أرضروم التركية، حين أرسل المسؤول رفيع المستوى في السلطنة العثمانية بهاء الدين شاكر برقية سرية لأحد زملائه في الميدان، طالباً فيها تفاصيل حول عمليات ترحيل وقتل الأرمن في شرق الأناضول. لكن هذه الوثيقة اختفت مع غيرها من الوثائق والشهادات، ليبرز سؤال: كيف تمكن أكشام من الحصول عليها؟
وفق ما نقلته صحيفة «نيويورك تايمز» وقت صدور الكتاب، أي في عام 2018 فإن الجهات الأرمنية في اسطنبول قامت في عام 1922 بشحن 24 صندوقاً من وثائق المحاكمات المتعلقة بالإبادة الأرمنية لحفظها في إنكلترا، وهناك، حُفظت من قبل أسقف نقلها لاحقاً إلى فرنسا ومنها نُقلت إلى القدس، وبقيت الوثائق محفوظة في البطريركية الأرمنية في القدس كجزء من أرشيف ضخم، وقد حاول أكشام الوصول إليه مراراً لكن من دون جدوى.
بعد وصوله إلى «جامعة كلارك» تعرّف أكشام على إدموند غيرغيريان في مؤتمر في نيويورك، ونصحه الأخير بالتوجه إلى «الجمعية الأرمنية الأمريكية» التي تحفظ لديها سجلات تعود لعم غيرغيريان، وكان ثمة صورة لوثيقة يملكها إدموند من «أرشيف القدس» دفعت أكشام للتعمق في البحث، لتتحوّل إلى «الدليل الدامغ» ويتحول عم إدموند إلى «بطل» القصة.
والعم هو الكاهن الأرمني الناجي من الإبادة كريكور غيرغيريان، المولود عام 1911 والمتوفى عام 1988. أثناء تقفيه لآثار ما جرى مع الأرمن، وصل إلى القاهرة في الأربعينيات وهناك التقى الرئيس السابق للمحكمة العسكرية في اسطنبول مصطفى باشا الذي تولى قضية أعضاء من «تركيا الفتاة» بعد اتهامهم بارتكاب انتهاكات بحق الأرمن عام 1919، وقد أخبر مصطفى باشا الكاهن بوجود وثائق في القدس، ما دفعه للتوجه إلى هناك بصفة مراسل، وقد استطاع تصوير كل الوثائق.
«هل تخلّصتم منهم؟»
كانت الوثيقة التي وجدها أكشام مروّسة بختم عثماني ومشفرة بأرقام أربعة، وحين قارنها برموز أرشيف السلطنة العثمانية وجد أنها متطابقة. تعود الوثيقة إلى 4 تموز 1914 وقد أرسلها بهاء الدين شاكر وجاء فيها: «هل تخلصتم من الأرمن بعد إبعادهم من هناك.. وهل جرت تصفية الأشخاص العدائيين الذين أُبعِدوا في خضم موجة الترحيل أم إنهم هُجّروا بكل بساطة؟..أرجو أن تكون صادقاً في تقريرك».
كانت برقية شاكر مشفّرة بنظام مؤلف من أربعة أرقام عربية، أما عن مطابقتها فتمت من خلال وثائق حصل عليها أكشام عام 2016 من وزارة الداخلية التركية حين كان لا يزال بإمكانه زيارة تركيا.
أيضاً في الوثائق التي وجدها أكشام في أرشيف الكاهن غيرغيريان وردت «مذكرات نعيم أفندي» وهو موظف كان قد باع أكثر من 20 وثيقة عثمانية وبرقيات صادرة عن وزارة الداخلية للأرمني آرام أندونيان الذي نشر بعضاً منها عام 1920. أندونيان أصبح لاحقاً مدير مكتبة «نوبار» الباريسية التي ساهمت في حفظ الذاكرة الأرمنية.
بذل الجانب التركي جهده عبر فريق من الباحثين لنسف كتاب أندونيان، فشكّك في أن يكون نعيم أفندي شخصاً حقيقياً، ملمحاً إلى أن برقيات طلعت باشا زوّرها أندونيان بنفسه.
وفي الأرشيف الأرمني في نيويورك، وجد أكشام مذكرات نعيم أفندي، وكان قد نسخها الكاهن غيرغيريان حين قادته أبحاثه إلى نوبار في باريس. كان ذلك قبل أن يختفي أثر المذكرات في السبعينيات ويموت صاحب المكتبة والكتاب. ومن خلال أبحاثه، استطاع أكشام دحض الادعاءين التركيين، فأثبت أن نعيم أفندي شخص حقيقي من خلال وثائق أظهرت عمله كمسؤول عن عمليات الترحيل، وكان أندونيان قد وصفه بالشخص المفلس والسكير الذي باع الوثائق.
أما فيما يخص اتهام الأتراك لأندونيان بتزوير برقيات طلعت باشا، فعمل أكشام بجهد كبير على إثبات أصالتها، وبعد مراجعة لآلاف البرقيات التي أرسلتها الحكومة العثمانية، ومنها برقيات من وزير الداخلية بين عامي 1914 و1918، نسفت هذه البرقيات ادعاء الأتراك بشأن طرق التشفير وقتها والذي استخدموه لدحض رواية أندونيان.
وبالنسبة للمؤرخين، كانت وثائق المحكمة نقطة في بحر الأدلة التي ظهرت مع السنوات – من بينها، تقارير دبلوماسيين بلغات مختلفة، بعثات، صحفيون شهدوا على الأحداث، وكلها دفعتهم للقول إن ما شهده الأرمن كان إبادة.
سؤال لا بدّ منه
وهنا يبرز سؤال أيضاً، ما الذي يدفع مواطناً تركياً لكل هذا الجهد لإثبات ضلوع بلاده في الإبادة الأرمنية؟
يجيب أكشام بنفسه عن هذا السؤال بصراحة، معرباً عن «قناعته بأن تركيا لا يمكنها الوصول للديمقراطية ما لم تواجه ماضيها» وتعترف بآثامها.
لكن كل ما تفعله تركيا هو العكس تماماً، مُطمئنة إلى أن سياسة الإنكار ستُنجيها، ما يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته في وضع حد لهذه السياسة عبر اتخاذ خطوة جدية حقيقية عبر الأمم المتحدة في الاعتراف بالإبادة الأرمنية ووضع تركيا أمام مسؤولياتها التاريخية والقانونية تجاه ضحايا الإبادة.

طباعة

التصنيفات: دراسات,سياسة

Comments are closed