آخر تحديث: 2020-04-07 16:09:32
شريط الأخبار

في المركز الوطني للفنون البصرية تنويعات تشكيلية لـ رباعي «طلاع» «العايد» «حناوي» «حريب»..

التصنيفات: ثقافة وفن

قبل أشهر قليلة كان «منذر كم نقش» بيننا، يستقبلنا بابتسامته البشوشة الصادقة، ونسأله عن رأيه في أعمال هذا الفنان أو ذاك، فيجيبنا بكامل إخلاصه ومحبته وعُمق معرفته، والآن في معرض «4A» الذي ضم كلاً من أحمد طلاع، خزيمة العايد، مجد حناوي، وصلاح حريب، نستشعر دهشته وحيويته في التعبير والمتسجدة الآن من خلال بضع منحوتات تتوسط صالة المركز الوطني للفنون البصرية، فالفنانون الأربعة حملوا شعلة الحلم وواصلوا المسيرة، مع إصرارهم على المُغايرة والإدهاش، فللمرة الأولى في سورية نشهد معرضاً يمتلك كل مُقوِّمات الإدهاش، بدءاً من مساحة اللوحات الكبيرة جداً (خمسة أمتار× متر و35 سم)، مروراً ببحث كل من الفنانين الأربعة وسعيهم لإبراز جماليات رؤيتهم للعالم، ولو كانت الحرب ركناً مشتركاً فيما بينهم، لكن المميز هو القدرة على توثيق الخراب بأبعاده الجمالية إن صح التعبير، والانطلاق من فوضى الواقع لنسج نظام فريد على سطح اللوحة باعتباره واقعاً مُغايراً، مُشتهىً، أو على الأقل يحمل سماته الخاصة من جنون مبدعه، وأحلامه، وكوابيسه، وخلاصة رؤاه، وفرادة أسلوبيته، على صعيد تكوين اللوحة، وملء المساحات البيضاء الشاسعة فيها، وتدوير معنى الواقع وجوهره وفحواه، ليصبح مادة للدهشة، ومثاراً للجدل وتحفيز الحوار، خاصة أن اللوحات بمساحتها الكبيرة تنتقل في مرحلة من مراحل قراءتها، من عمل فني كبير إلى مشروع بصري متكامل، مندغم مع صاحبه، وقابل للتثوير على اختلاف بؤرة التركيز عليه.
سبعة أشهر من الاشتغال على هذه الأعمال كانت كفيلة للحوار المديد معها، وتصويب توازناتها، وترسيخ شيفراتها البصرية مع المتلقي، فكم مرة كان على كل من الفنانين الأربعة أن يعيد النظر بلوحته وأن يقتنع بأن جميع عناصرها باتت مكتملة ومنسجمة مع بعضها؟ ومتى يستطيع الإعلان عن انتهاء مخاضاتها الفكرية، وولادة عمل بـ«خلقة تامة»؟
«أحمد طلاع» آثر اللجوء إلى الخفّة التي لا تُحتَمل حسب «ميلان كونديرا»، وإلى الشفافيات اللونية، وتعامل مع لوحته كجرحٍ أبيض مفتوح، لا يلتئم من دون المحافظة على يناعته، مرةً بإبراز قدرة البياض على الامتلاء بذاته، ومرة أخرى بتوطئات من أخضر فاتح، أو شفافيات برتقالية وسماوية، مع بعض التشطيبات السوداء أو البقع، وكأنه يحاصر العتمة أو يأسرها في ركنها العالي، متصالحاً مع فكرة الخفّة التي لا تتناقض مع الرسوخ، واللعب في مساحات متقاربة من حزم اللون، وتجويدها بحساسية عالية من رهافة التجاورات، فكل مساحة لونية مُجرّدة هي استغراق فيما حولها، وسعيٌ للتآلف وتثبيت الأثر في توازن اللوحة ككل، واستنطاقٌ لكُنْهِها النَّفسي، واستشرافٌ لقدرة اللون على تفسير ما في داخل الفنان من شتات، ثم تأطيره في هذه المساحة.
أعمال «خزيمة العايد» جاءت مُغرقة في قوة الرمز، والجرأة في التعاطي مع السطح، لدرجة أنها شديدة الجاذبية للعين، لاسيما تلك «البلوكات» النافرة، وكأنها إعادة بناء لدمارٍ قديم، أو لنقل محاولة تجسيد فوضى الخراب من جديد، بحيث تتراكب عشر «بلوكات» في وسط حريق كوني يحيط بها، بينما مساحات سوداء في الجانب الأيمن ترسم حدود العزلة، وبين سوداوية العدم وبقايا البناء المتهدم تتوضع ألوان ترابية فوق سماكات تعلو اللوحة، مُشكِّلةً ما يشبه «فريسك» بارزاً يُقاوم العتم، ويتوهج ببقاياه، بحيث إن اللوحة تنقسم إلى جزأين: موت وحياة، واقع ومأمول، حريق ونور، مثلها مثل لوحته الثانية التي تتراكب في ثلثها الأيسر مجسمات لأيدٍ فوق بعضها، وأصابعها تبحث عن مهرب، بحيث تتحول اللوحة إلى جدار، وتلك الأيدي تحاول إزاحته، فثمة بشر تحت الرماد، وجمرهم يتحرك مع العيون المتفحِّصة لكل ذاك الدمار، وفي أعمال «العايد» دعوة للتفحُّص، وكأنه يرسم أرض المعري التي قال فيها «ما أظن أديم الأرض إلا من هذه الأجساد»، و«خزيمة» يُلوِّن تلك الرفات بترابياته الأخاذة، واضعاً إيانا في تراكمية الألم، وفجاجة الفقد، والبحث عن خيط نجاة في نفوسنا أولاً، ثم للمتوارين خلف لوحاته ثانياً.
وفيما اشتغله «مجد حناوي» ثمة مساحات مفتوحة للحركة والتأمل، وتداخلات قوية بين الرماديات والأبيض، اللوحة عنده ساحة معركة لا ينتصر فيها أحد، ولكن الطزاجة الممزوجة بحرية ضربات الريشة وغضبها في زمنه الحاضر المستمر تجعل القتامة تتوارى في العمق، وينزاح معها الأفق قليلاً نحو الأعلى، تاركاً مساحة كبيرة من الأبيض لتفعل فعلها، في هذه اللحظات تتسلسل مسحة من المجازفة، أو لنقل التجريب في قدرة اختصار الألوان على فرض درامية خاصة، ولاسيما أن التكثيف، ليس فقط على صعيد اللون، بل على مستوى الإحساس به، وجعله سمة خاصة بالفنان، بحيث إن الإجادة في استخدام اللون بدرجاته المتفاوتة تمنحه بلاغة إضافية، ومشهدية خاصة ترتسم من خلال صراع البياض والسواد، الألم والأمل، ضمن متناقضات لا تتستر خلف حلولها الوسطى، بل تنحو باستمرار نحو أقصى احتمالات المزج بينها، للوصول إلى خلخلة الميزان اللوني، وميلان أو رجحان إحدى الكفتين.
«صلاح حريب» ينقلنا إلى مناخات لونية آسرة، من خلال طغيان الأحمر مع تمشيحات الأسود وخطوطه القاسية حيناً، والرهيفة في أغلب الأحيان، هذا المزج يعلن فجاجة الموت وراهنية الدماء ورائحة الجثث المنبعثة من التوابيت التي فاقت مساحة اللوحة فخرجت عنها، لكأن اللوحة هي نكء للجرح، وتوزيع لدسامة التراجيديا على كامل القماش الأبيض، بحيث تنبلج الآلام دفعة واحدة يوازيها اللون الأحمر، كدفقات متواصلة من الدماء، من دون أن تترك للعين فسحة للراحة، فالتوتر التكويني في أقصى حالاته، وفصول المأساة مازالت تحتفظ بكامل وهجها، والكمون الوحيد هو للميت وليس للموت الآخذ بالتمدد، والمُصطحِب معه سكينة الموتى ضمن توابيتهم الضيقة، والتي تشفّ أغطيتها عن رغبة في الانعتاق من الموت، واستقراره فينا، أي إنه رغم كل هذه القتامة ثمة رغبة في تحرير الجرح، ونزيفه المتواصل، وعدم تقييدنا بهذه الحالة الجامدة، بل إعادة مواراتنا الثرى لكن بطريقة أجمل.

طباعة

التصنيفات: ثقافة وفن

Comments are closed