آخر تحديث: 2020-02-25 10:47:25

المقاومة هي الحلّ في مواجهة «صفقة القرن»!

التصنيفات: رؤى عربية

لم يكن إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن تفاصيل ما تسمى «صفقة القرن», هو العدوان الأول الذي استهدف فلسطين العربية, فمنذ ما يزيد على مئة عام وفي ال 1917 كانت هذه الأرض العربية المنكوبة موعودة «بالمنح» للعدو الصهيوني, من خلال بريطانيا التي كانت تحتل جزءاً كبيراً من وطننا العربي ومنه فلسطين العربية, إذ أرسل آرثر جيمس بلفور وزير خارجية بريطانيا في حكومة ديفيد لويد جورج في ذلك الوقت رسالة إلى اللورد ليونيل وولتر دي روتشيلد أحد أهم الأثرياء اليهود البريطانيين يشير فيها إلى تأييد الحكومة البريطانية «إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين».
وللحقيقة لم يكن روتشيلد مقتنعاً بمسألة «الوطن القومي لليهود» عند بدايتها على يد هرتزل, لكن أمرين حدثا غيّرا من توجه آل روتشيلد, أولا: هجرة مجموعات كبيرة من اليهود إلى أوروبا, والتي رفضت الاندماج في مجتمعاتها الجديدة, وهو ما أدى إلى بروز بعض المشكلات تجاه اليهود, بل بين اليهود أنفسهم, فكان لابد من حل لدفع هذه المجموعات اليهودية بعيداً عن مناطق المصالح الاستثمارية لآل روتشيلد. وثانياً: ظهور التقرير النهائي لمؤتمرات الدول الاستعمارية الكبرى في عام 1907, والذي يقرر أن منطقة شمال أفريقيا وشرق البحر المتوسط هي الوريث المحتمل للحضارة الغربية الحديثة, لكن هذه المنطقة تتسم بالعداء للحضارة الغربية, لذلك يجب العمل على تقسيمها, وعدم نقل التكنولوجيا الحديثة إليها, وإثارة العداوة بين طوائفها, وزرع جسم غريب عنها يفصل بين شرق البحر المتوسط والشمال الإفريقي, ومن هذا البند الأخير, ظهرت فائدة إقامة كيان يهودي في فلسطين, وهو الأمر الذي استثمره دعاة الصهيونية, وعلى ذلك تبنّى آل روتشيلد هذا الأمر, إذ وجدوا فيه حلاً مثالياً لمشاكل يهود أوروبا.
ثم جاء العدوان الأول في ظل عجز عربي واضح إذ كان الوطن العربي مقسماً بين القوى الاستعمارية الكبرى في العالم في ذلك الوقت (بريطانيا – فرنسا) لذلك عندما أعلنت بريطانيا إنهاء انتدابها على فلسطين في عام 1948 بعد ما ساهمت إلى أقصى الحدود في هجرة الصهاينة إلى فلسطين أصدرت الأمم المتحدة قراراً بتقسيم فلسطين «لدولتين يهودية وعربية»، وكان بالطبع عدواناً جديداً على الأرض والشعب العربي الفلسطيني, وهنا عارضت الدول العربية التي كانت لا تزال محتلة القرار وجهزت نفسها لدخول الحرب لطرد العصابات الصهيونية المسلحة من الأرض الفلسطينية المغتصبة وكانت النتيجة هزيمة ساحقة للجيوش العربية بعد خيانات عربية من قبل بعض الأنظمة الرجعية في ذلك الوقت وهو ما يعني قمة العجز العربي.
وبعد النكبة بدأت الدول العربية المحتلة في الحصول على استقلالها تباعاً, وفي تلك الأثناء برز اسم الزعيم جمال عبد الناصر، ذلك القائد الذي شارك في حرب فلسطين واستقر في وجدانه أن العدو الصهيوني هو عدونا الأول لذلك جعل قضية فلسطين هي القضية المركزية لمشروعه القومي العربي, وبدأ في السعي لتوحيد الصف العربي والاستعداد لمواجهة العدو الصهيوني, لكن وللأسف الشديد تلقى طعنات غادرة من الرجعية العربية ما أدى إلى حدوث نكسة 1967 وليحتل العدو الصهيوني أراضي جديدة ليس فقط في فلسطين بل في مصر وسورية والأردن, وهو ما عبر عن العجز العربي في مواجهة العدو الصهيوني.
واستمر الصراع العربي – الصهيونى وقرر جمال عبد الناصر إزالة آثار العدوان وبدء حرب الاستنزاف التي كبدت العدو الصهيوني خسائر باهظة, حاول العدو عقد صلح ومهادنة مع عبد الناصر لكنه رفض وأعلن أنه لا صلح ولا تفاوض ولا اعتراف, وأن ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة, بعد ذلك وفي لحظة حاسمة توحدت الإرادة العربية في مواجهة العدو الصهيوني في حرب تشرين الأول 1973 وكان الانتصار على العدو باهراً, لكن حتى هذه اللحظة لم يستطع العرب استثماره جيداً لأسباب مختلفة, إذ دخل العدو الأمريكي على الخط وأقنع السادات بمعاهدة سلام مزعوم عام 1978 أعادت العرب لحال العجز مرة أخرى, وتبعتها تنازلات وهزائم متتالية أمام العدو الصهيوني, إذ تم توقيع اتفاقية أوسلو مع العدو الصهيوني عام 1993 ثم تبع ذلك توقيع الأردن اتفاقية وادي عربة عام 1994 وهو ما عبر عن عجز عربي آخر عن مواجهة العدو الصهيوني.
ولكن صواريخ المقاومة اللبنانية كسرت هذا العجز العربي إذ أجبرت العدو الصهيوني على الانسحاب من الجنوب اللبناني عام 2000 ثم هزمته في حرب تموز 2006، تلك الحرب التي استمرت 34 يوماً اضطر العدو الصهيوني بعدها للانسحاب بعد أن تكبد خسائر كبيرة على يد المقاومة, ومنذ ذلك التاريخ والعدو الصهيوني يحسب ألف حساب للمقاومة العربية اللبنانية.
ومع انطلاق موجة «الربيع العربي» المزعوم ظن العدو الصهيوني أن الطريق قد أصبح مفروشاً أمامه بالورد بعد انشغال محور المقاومة بمكافحة الإرهاب والتصدي لمشروع الشرق الأوسط الكبير, لذلك بدأ في التطبيق الفعلي ل «صفقة القرن»، عبر تهويد القدس ثم إعلانها عاصمة للكيان الصهيوني, ثم إعلان ترامب المشؤوم حول الجولان السوري المحتل, وأخيراً الإعلان الرسمي عن «صفقة القرن», وبالطبع تم ذلك في إطار عجز وشلل عربي شبه تام, لكن ما لم يحسب حسابه العدو الصهيوني هو نمو واتساع دائرة محور المقاومة بشكل غير مسبوق في سورية ولبنان والعراق واليمن.
وخلال الأيام الماضية تمكن أحد رموز المقاومة من أن يمرغ رأس العدو الصهيوني بالتراب, وهو الأسير العربي السوري في سجون الاحتلال صدقي سليمان المقت الذي لقّن العدو درساً في الصمود والتحدي والمقاومة, عندما رفض «حرية» بشروط عدو محتل، متمسكاً بالعودة إلى بيته وأهله وأرضه في الجولان السوري المحتل ومواصلة طريق المقاومة والنضال.. وفي ال 9 من كانون الثاني الماضي كان صدقي المقت على موعد مع حرية حقيقية بشروط الوطن سورية.. لذلك، نؤكد وعيه كل تاريخ الصراع, ونؤكد وعبر كل تاريخ الصراع مع هذا العدو أن المقاومة هي الحل الوحيد في مواجهة «صفقة القرن», وتحرير كامل التراب العربي المحتل.. اللهم بلغت اللهم فاشهد.

*كاتب من مصر

طباعة

التصنيفات: رؤى عربية

Comments are closed