آخر تحديث: 2020-07-03 20:08:10
شريط الأخبار

«ثورة حتى النصر»

التصنيفات: رؤى عربية

شعار ينتمي إلى ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، ارتبط إلى حد كبير بالثورة الفلسطينية الحديثة التي انطلقت عام 1965، برغم أن هذا الشعار حُمل دائماً على محمل الفعل العسكري الثوري ضد الاحتلال الصهيوني لأرض فلسطين، لكنه ظهر في سياق عربي يجعله يتجاوز المعنى المباشر.
هناك مقولة ماركسية شهيرة هي أن (الفقر لا يصنع الثورة، ولكن وعي الفقير هو الذي يصنعها). كانت هزيمة 1948 لحظة وعي الإنسان العربي بحجم المؤامرة التي تُحاك ضد مستقبله. فكل الوعود والاتفاقيات التي كان يسمع عنها ويخرج إلى الشارع للتظاهر ضدها، تُرجمت من خلال حرب صورية عادت الجيوش العربية منها تجر أذيال الخيبة. كان الكيان الصهيوني الذي حاز اعترافاً عالمياً صفعة على وجه كل عربي تخبره أنه من دون القوة والاستقلال الحقيقي فإن كل النضالات والتضحيات ستذهب هدراً.
جاءت الخمسينيات لتحمل معها مشاريع تحررية عربية حقيقية. كانت البداية في مصر 1952، فالعراق 1958، ثم استقلال الجزائر وثورة اليمن 1962، وثورة الثامن من آذار في سورية 1963. ما ميّز تلك الثورات أنها استطاعت رؤية العلاقة العضوية بين الكيان الصهيوني والإمبريالية العالمية، وتمكنت من ربطها بالرجعية العربية، فشكلت وعياً متقدماً بثالوث العدوان، وصاغت مشاريعها الثقافية والاقتصادية والاجتماعية لهزيمة هذا الثالوث.
شهدت الحالة الثقافية نهوضاً لافتاً، في مجالات العلوم الإنسانية والآداب والفنون المختلفة، تلك النهضة التي دفعتنا لتسمية ذلك الزمان بالزمن الجميل. أما في الاقتصاد؛ فكان التأميم وبشكل خاص تأميم قناة السويس، والإصلاح الزراعي، وبناء السدود الضخمة التي أمّنت مياه الري والطاقة الكهربائية كالسد العالي وسد الفرات، وفي الصناعة توسعت قاعدة الصناعات المنتجة خاصة في مجال النسيج والصناعات الغذائية وبعض الصناعات الثقيلة بما فيها صناعة الأسلحة الخفيفة والمتوسطة. في مجال العلوم انخفضت الأميّة بنسب عالية، وتطور التعليم في جميع مراحله بعد اعتماد سياسات مجانية التعليم، وتوسعت الخدمات الصحية ومراكز البحث العلمي، فقد كانت مصر- على سبيل المثال – المركز العالمي الرئيس لأبحاث الأمراض الاستوائية.
في هذا السياق، جاء شعار «ثورة حتى النصر» ليعني الانتصار في مناحي الحياة الثقافية والاجتماعية والاقتصادية كمقدمة لتحقيق النصر على المحتل وتحرير الأرض.
لم يقف العدو مكتوف الأيدي أمام هذه المشاريع الثورية التحررية، فكان حلف بغداد 1955، والعدوان الثلاثي على مصر 1956، والمؤامرات ضد سورية والعراق وصولاً إلى عدوان حزيران 1967. لم يكن الهدف احتلال المزيد من الأراضي العربية -على أهمية ذلك لكيان الاحتلال – بقدر ماكان تثبيط المشروع العربي وإيقاف زخمه الذي كان يعم الوطن العربي من محيطه إلى خليجه.
جاءت حرب الاستنزاف، ومعركة الكرامة، وتصاعد العمليات الفدائية الفلسطينية، والحركة التصحيحية في سورية، وصولاً إلى حرب تشرين التحريرية عام 1973، لتثبت أن المشروع العربي آخذ بالتعافي برغم فقده واحداً من أهم رموزه؛ جمال عبد الناصر.
لم يأت رد العدو هذه المرة عسكرياً، بل انتقل إلى استهداف البنى الاقتصادية والثقافية والاجتماعية. بدأت المعركة بقيام أنور السادات برد الاعتبار لتنظيمات الإسلام السياسي، واستخدامها في تسويغ اتفاق «كامب ديفيد» الخياني. تصاعدت نشاطات هذه التنظيمات في سورية والجزائر إضافة إلى مصر نفسها. ترافق هذا النشاط بحرب عبثية خاضها نظام صدام حسين ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية رفعت فيها للمرة الأولى شعارات طائفية، وقومية شوفينية (عرب/فرس). هذا كله إضافة إلى الإجراءات الاقتصادية الوحشية ضد سورية وغيرها.
إذا أردنا وصف الأشياء على حقيقتها، فعلينا الاعتراف بأن هذه الحرب حققت نجاحاً أكبر بكثير مما حققته الحروب العسكرية، وتمكن المشروع الاستعماري- الرجعي من تحقيق اختراقات مهمة في المجتمعات العربية، خاصة في ظل غياب شبه كامل للمشروع العربي المضاد. هذا النجاح لم يقف في وجهه سوى التحالف بين الجمهورية العربية السورية والمقاومة الوطنية اللبنانية ممثلة بحزب الله، والذي لم يكتفِ بتحقيق الانتصارات العسكرية، لكنه امتلك مشروعاً اقتصادياً ثقافياً علمياً واضح المعالم.
جاء ما يسمى «الربيع العربي» في ظل سعي مشروع ثالوث العدوان لإعادة ترتيب الأوضاع في المنطقة. لم يعتقد مخططو هذا «الربيع» أن سورية أو أي دولة أخرى قادرة على الصمود في مواجهة هذا الطوفان المدعوم بقوى عالمية اعتقدت أنها منيعة على الهزيمة، لكن سورية أثبتت أن التمسك بمشروع الدولة المستقلة الإرادة، هو السبيل الوحيد لهزيمة المشروع الرأسمالي بأضلاعه الثلاثة. لقد فاقت تلك الهزيمة توقعات حتى أكثر المتفائلين بقدرات سورية، وكان صمود الشعب العربي السوري حجر الأساس الذي بنت عليه القيادة السياسية والعسكرية صرح الانتصارات والإنجازات العسكرية.
نقف اليوم على أعتاب النصر النهائي على الجزئية العسكرية من المشروع الرأسمالي، لكن هزيمة السياقات الاقتصادية والثقافية والاجتماعية لهذا العدوان لن تكون معركة أقل ضراوة. لعل العودة إلى نقطة البداية وإطلاق مشروع ثقافي اقتصادي اجتماعي تحرري عربي، مبني على استقلال الإرادة، ونبذ التبعية، والاعتماد على الذات العربية من دون الاستسلام للحدود الوهمية التي وضعها الإستعمار، هذه العودة هي المهمة الملقاة على عاتقنا أفراداً ودولاً، لنضعها موضع التنفيذ وليس رفعها شعارات فحسب.

*كاتب من الأردن

طباعة

التصنيفات: رؤى عربية

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي


Comments are closed