آخر تحديث: 2020-02-28 02:34:31
شريط الأخبار

اللعب مع الكبار

التصنيفات: رؤى عربية

تشهد منطقتنا صراعاً عسكرياً وسياسياً غير مسبوق، ويمكننا القول إننا نقع اليوم في مركز مشهد الأحداث العالمي، فعلى الرغم من الأحداث المهمة التي تجري في أماكن مختلفة من العالم، سواء في أميركا الجنوبية أو أفريقيا، فإنها جميعاً لم تستطع خطف الأضواء السياسية والدبلوماسية مما يجري في منطقتنا، هذه الأحداث التي يبدو أنها ستكون العامل الأهم في رسم شكل العالم الجديد.
عبر تاريخنا المعاصر، مرت المنطقة بمنعطفات كثيرة صنعت جغرافيتها وواقعها السياسي، فمنذ سقوط الدولة العثمانية وجغرافيتنا ملعب للقوى الدولية، تحرك خطوطه بما يتناسب مع أهدافها، أما الأغلبية العظمى من شعوب المنطقة فكان مكانها مدرجات المتفرجين الذين يطلقون صرخات التأييد أو التنديد، من دون أن يكون لهم دور في مجريات ما يحدث.
برغم المحاولات التي قامت بها الأنظمة الوطنية في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، فإن إنجازات معظم هذه الأنظمة الوطنية قوضتها الأحداث السياسية الدولية، وغياب المشروع التحرري الوطني العربي المعتمد على الذات، ومع نهايات السبعينيات لم يبقَ من تلك المحاولات سوى المشروع الوطني السوري الذي تكالب عليه الأعداء من كل حدب وصوب.
بعد سقوط الجدار المصري بتوقيع السادات على اتفاقية «كامب ديفيد» التفتت سورية إلى محيطها وصاغت تحالفات إقليمية تمكنها من الصمود في وجه المخطط الاستعماري الذي يستهدفها، فكان التحالف مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية أولاً، ولاحقاً مع قوى المقاومة بكل توجهاتها، لتخلق نواة ما يُعرف اليوم بمحور المقاومة. مكّنت هذه التحالفات سورية من تجاوز منعطفات خطرة، من الغزو الإسرائيلي للبنان 1982 وحتى الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003، واستطاعت أن تفرض نفسها لاعباً أساسياً في الملعب السياسي الإقليمي.
جاء الانهيار المالي عام 2008 ليُصيب الرأسمالية في مقتل، وليُعيد منطقتنا الغنية بثرواتها إلى مركز الاهتمام الرأسمالي، واعتقدت الدول الغربية، مستندة إلى تجربة غزو العراق، أن العواصم العربية «سوف تتساقط تباعاً» كما سقطت بغداد. جاءت النتائج الأولى لما سُمي «الربيع العربي» لتؤكد الانطباع الذي حملته جيوش الغزاة، فسرعان ما سقطت أنظمة تونس، فالقاهرة، ثم ليبيا بعد عدوان غربي وحشي شاركت فيه بعض دول الخليج، وأعلن أقطاب معسكر العدوان أن «صلاتهم في المسجد الأموي في دمشق مسألة وقت»، لكن موجة المد الاستعماري بدأت تتكسر على الصخرة السورية.
على مدى السنوات الأربع الأولى من عمر الحرب على سورية، أظهر الجيش العربي السوري صموداً وعزيمة أقل ما يمكن وصفها بالأسطورية. ومع تقدم المعارك بدأ المحور المقاوم الذي بنته سورية في مطلع ثمانينيات القرن العشرين يتبلور على الأرض، فكان لحلفاء الجيش العربي السوري دور مهم في المعارك، وأصبحت معالم المحور المقاوم المكون من سورية وإيران وحزب الله، وقوى مقاومة فلسطينية وعربية، واضحة لا تخطئها العين، كما تلقى هذا المحور دعماً سياسياً روسياً -صينياً مشتركاً، ساهم إلى حد كبير في حماية ظهر محور المقاومة.
بعد ظهور المعالم الأولى لانحسار الهجمة الاستعمارية، وتقدم الجيش العربي السوري وحلفائه، وجدت روسيا أن الوقت أصبح مناسباً لمشاركتها في المعركة العسكرية ضد الإرهاب، ما سرّع من وتيرة الإنجازات العسكرية، وأعاد لروسيا المزيد من هيبتها في الساحة الدولية. ما ميّز المعركة الحالية أننا، وللمرة الأولى في تاريخنا، الطرف الفاعل الذي يخوض الحرب بشروطه، ولا يقبل الإملاءات السياسية من أي طرف خارجي، مع الأخذ في الحسبان ما أكدته الدولة السورية من أن جميع الاتصالات التي يقوم بها الحلفاء على الساحة الدولية، وما ينجم عنها من عقد مؤتمرات أو اتفاقات هدنة مؤقتة، تتم بالتنسيق الكامل مع القيادة السورية، وبما يُراعي مصالح الدولة السورية.
على الجانب الآخر من الوطن العربي، انفجرت الأزمة من جديد في ليبيا، وهرعت القوى الدولية لتدلي بدلوها في تلك الأزمة. وبعد جولتين من القتال، بدت الأمور وكأنها تتجه لمصلحة المشير خليفة حفتر قائد الجيش الوطني الليبي على حساب حكومة السراج المدعومة من قطر وتركيا. أدركت تركيا أن الأمور يمكن أن تسير لغير مصلحتها، فقررت الدخول على خط الأزمة بخيار عسكري علني، ما رفع من حدة التوتر بين تركيا ومصر التي وجدت في القرار التركي اعتداء على أمنها الوطني والإقليمي، أما روسيا فوجدت في الأزمة فرصة لتدارك الخديعة التي تعرضت لها بعد موافقتها على قرار مجلس الأمن تفويض «ناتو» بإقامة منطقة حظر جوي في ليبيا، إذ إن الحلف استغل القرار لشن عدوان همجي على ليبيا، تمكنت روسيا من فرض وقف لإطلاق النار على الطرفين المتحاربين، ما أثار القلق الدولي من تعاظم الدور الروسي في حوض المتوسط.
جمعت الأطراف المحلية والإقليمية والدولية وثائقها، وذهبت إلى برلين بحثاً عن حل. كان المؤتمر حافلاً بالمفارقات، أولاها الإعلان عن عدم حضور حفتر أو السراج جلسات المؤتمر، وثانيتها تركيز المؤتمر على عدم استخدام المنشآت النفطية أهدافاً في الحرب، وأخيراً رفض حضور قوات أجنبية إلى ليبيا، مع اعتراف المبعوث الأممي بوجود مقاتلين حضروا لأسباب «عقائدية» والمقصود هنا الإرهابيين الذين نقلوا من شمال سورية، ما يعني أن المؤتمر منح نوعاً من الغطاء للمشروع التركي.
الخيط الذي يربط الأزمات في المنطقة، يتراوح ما بين الصراع على النفوذ، والممرات المائية، والغاز والنفط ، حتى تبدو هذه الأزمات وكأنها تتكاثر بالتناسخ، لكن الخصوصية التي تميز ما حدث في سورية، هو صمود الدولة، ورهانها على جيشها وشعبها.. فلا شيء يتعلق بمحور المقاومة يتم في غياب أطراف من هذا المحور..
في دمشق يُصنع الزمن العربي الجديد.. الزمن الذي تؤخذ فيه مصالحنا في الحسبان، إنه زمن اللعب مع الكبار.

*كاتب من الأردن

طباعة

التصنيفات: رؤى عربية

Comments are closed