آخر تحديث: 2020-02-18 13:35:54

نجوم.. وأضواء

التصنيفات: زوايا وأعمدة

في كل مرّة أزور فيها القاهرة، كنت أكتشف أشياء كثيرة تحببني بهذا البلد أكثر فأكثر..
قبل «ثورة» الشعب المصري بشهر تقريباً، شاركت بدورة تدريبية أقامتها جامعة الدول العربية حول المؤشرات الإحصائية.
وفي مساء أحد الأيام، التي كنت أتجوّل فيها للتعرف إلى شوارع القاهرة وحياة سكانها، دار حديث بيني وبين سائق سيارة أجرة.. بدأ عن الرئيس مبارك وانتهى بنادي الأهلي.
ما استوقفني في حديث السائق، الذي لم يكن أستاذاً في التاريخ ولا موظفاً كبيراً في المحافظة، أنه كان يحدثني بكل حب عن أبناء مصر المعروفين.. من الفنانين المشهورين، الذين كان يرشدني إلى أماكن سكنهم، إلى نجوم كرة القدم وأنديتهم، فالأعلام المصرية الذين سميت ساحات القاهرة بأسمائهم..
ما حدثني به ذلك السائق لم يكن مجرد ثقافة شخصية، وإنما جزء من ثقافة مجتمعية.. وهذا ما لمسته آنذاك في لقاءاتي مع زملائي المصريين.
هذه الثقافة ليست موجودة لدينا، إذ قبل سنوات من تلك الزيارة أجريت استبياناً لمصلحة صحيفة «تشرين» في دمشق للوقوف على حالة الثقافة العامة للسوريين. فكانت النتائج أكثر من صادمة.. نتائج تداولتها آنذاك باهتمام معظم وسائل الإعلام المحلية والعربية.
ربما مشكلتنا هي في طريقة تعاطينا كمؤسسات وأفراد مع أعلامنا وكوادرنا الوطنية..
فمن جهة، ليس هناك اهتمام كافٍ بالأعلام والنخب السياسية والفكرية والاقتصادية والتاريخية، فذكرها المحدود في مناهجنا التعليمية وإطلاق أسماء بعضها على ساحات مدننا لا يبدو كافياً، فمصادر معارف الأشخاص وثقافتهم باتت أوسع بكثير من ذي قبل..
ومن جهة أخرى، فإن مؤسساتنا العامة والخاصة لا تبالي بما يسمى «صناعة» النجوم، وإذا حدث فيكون الضوء مسلطاً على أشخاص هامشيين، بلا كفاءة أو سيرة ذاتية.. وعلى حساب من هم أحق بالاهتمام والرعاية.
لاحظوا كم اكتشفت برامج الغناء العربية من مواهب سورية.. كم فاخرت مسابقات أدبية عربية مرموقة بكتاب سوريين.. كم تغنت جامعات ومؤسسات بحثية عالمية بأكاديميين سوريين.
باختصار نحن «نقتل» كفاءاتنا ونخبنا مرتين..
مرّة عندما نفتح الطريق أمام أشخاص بلا معنى في هذه الحياة ليتصدروا المشهد العام، سواء في مواقع المسؤولية أو في الحياة العامة.. وهذه أخطر أشكال الفساد التي تنخر في جسد مجتمعنا..
ومرّة عندما نُغيب أعلامنا ونخبنا التاريخية عن عيون الأجيال الجديدة، فلا تعرف عنها إلا بمقدار ما يتطلبه عملها، وحتى في تسميات شوارعنا وساحاتنا، فإن نصيب أعلامنا هو الأقل.. سواء أكان ذلك نتيجة إهمال، أو عدم تبصر وإدراك لأهمية الأعلام والنخب في حياة الشعوب.

طباعة

التصنيفات: زوايا وأعمدة

Comments are closed