آخر تحديث: 2020-02-26 06:18:56
شريط الأخبار

التعديات على الغابات يرتكبها تجار دافعهم الجشع ..!

التصنيفات: أهم الأخبار,السلايدر,محليات

عاماً بعد عام تتآكل الغابات الحراجية في محافظة اللاذقية بفعل التعديات تارة والحرائق تارة أخرى, فتخسر الطبيعة البكر على امتداد جبال اللاذقية مساحات واسعة من الأراضي التي خرجت عن كونها أحراجاً وغابات وأصبحت جرداء بطور التصحر تنعي رداءها الأخضر, حيث باتت المساحات التي أتت عليها الحرائق والتعديات في جبال ريف اللاذقية واضحة للعيان والتعديات مستمرة على الغابات والحراج حسب روايات عدد من أهالي القرى الجبلية المجاورة للغابات, إذ قال أحد الأهالي: أكثر من مرة رأينا ليلاً سيارات ودراجات نارية تحمل أحطاباً, قادمة من جهة الغابات والحراج, وآخر مرة كانت قبل أسبوع إذ شاهدت نحو الساعة الثانية عشرة والنصف ليلاً شخصاً على دراجة نارية يضع خلفه الحطب قادماً من جهة الغابة, مؤكداً أن التعديات شغالة على قدم وساق حتى قبل حلول الشتاء.
وأكد آخر أنهم يضطرون أحياناً إلى تجميع الأغصان اليابسة وبقايا عمليات التقليم التي تقوم بها دائرة الحراج بغرض التدفئة لأن كمية المازوت التي تم توزيعها 100 ليتر لا تكفي لأسبوعين للتدفئة في القرى الجبلية, ناهيك بأن الحطب يمنح دفئاً أكثر من المازوت, مضيفاً: أنا أقصد الغابة بحثاً عن الأغصان اليابسة المنتشرة هنا وهناك والتي تفي بغرض التدفئة, في حين أن هناك من يقطعون بالجملة بهدف الربح فهم يبيعون لأشخاص يقومون بطلب الحطب قبل عدة أيام.
وجودهم بجوار الغابة, ورؤيتهم بقصد أو من دون قصد عمليات التحطيب جعلهم على دراية بكيفية التعدي على الغابات وأنواع الأشجار المرغوبة, إذ أوضح الأهالي أن من يدخل إلى الغابة لقطع الأشجار لا ينتقي نوعاً محدداً بل يعمد إلى قطع الشجرة الأسهل والأقرب إلى طرف الغابة ليستطيع الهرب في حال شعر باقتراب أحدهم, مشيراً إلى أن نوع الأشجار المفضل بالنسبة للتاجر وللمواطن هو السنديان والبلوط نظراً لغلاء سعرهما واستخدامهما للتدفئة والتفحيم. وبيّن الأهالي أنه بعد عملية قطع الأشجار التي تجري ليلاً ونهاراً هناك عدة طرق لتصريف الأحطاب إما ببيعها لأشخاص آخرين يتدفؤون على الحطب, وإما بتوصيلها لتاجر كبير يستخدم أكثر من شخص لقطع كميات صغيرة, ومن ثم يقوم بتجميعها والمتاجرة بها على طريقته.

كرّ وفرّ
بدوره قال أحد حراس الغابات: مهمتنا حماية الغابات والحراج من التعدي الذي يهدد رئة البلد , ولذلك نحن في حالة كر وفر دائمين مع المعتدين على الغابات, والذين برغم كل التدابير التي تقوم بها الضابطة الحراجية فإنهم يقدمون على قطع الأشجار بمختلف أنواعها, باعتبار أنها تجارة مربحة, لافتاً إلى أن أغلبية المعتدين مطلوبون للعدالة بجرائم أخرى.
وأوضح أنه من الصعب ضبط جميع التعديات على الغابات بالجرم المشهود, فعدد الحراس قليل جداً مقارنة مع مساحات الغابات والحراج, ناهيك بأنه يوجد حارس واحد لكل غابة, وأن 90% من التعديات تجري ليلاً وأغلبها باستخدام طريقة الكشافة إذ يقوم شخصان أو ثلاثة بالتخفي على حافة الطريق المؤدي إلى الغابة, فإذا مر أحد عناصر الحراج يقومون بتنبيه من يحطبون داخل الغابة ليلوذوا بالفرار.
العشوائية في القطع
خلال سنوات الأزمة كانت الغابات من أكثر القطاعات تعرضاً للتخريب والتدمير, حسب الدكتور زهير شاطر -رئيس قسم الحراج والبيئة في جامعة تشرين الذي قال لـ «تشرين»: تعرضت مساحات كبيرة من الغابات للحرائق ولأسباب مختلفة منها ما هو متعمد ومنها ما هو نتيجة الإهمال، ناهيك بأن كميات هائلة من الأخشاب تم قطعها بشكل عشوائي وجائر في كثير من المناطق, ما أدى إلى تخريب عدد كبير من (الموائل) وما يرتبط بها من كائنات حية أخرى نباتية وحيوانية.
وأضاف شاطر: تكفي مقارنة بسيطة بين الصور الفضائية للغطاء الحراجي قبل 2011 والغطاء الحالي لمعرفة حجم الكارثة التي أصابت هذه الثروة الطبيعية والتي يعدها الكثير من الدول تراثاً طبيعياً لها كالتراث الثقافي يجب الحفاظ عليه وصيانته على مر الأجيال.
أكثر ما يثير القلق في الضغط الذي يتعرض له الغطاء الحراجي في رأي شاطر هو العشوائية في القطع وعدم التمييز بين الأشجار النادرة والمهمة عن غيرها من الأشجار وعدم إدراك القيمة الحقيقية للغابات وما تقدمه من تلطيف للمناخ الذي يتغير أصلاً ومن تغذية للمياه الجوفية.
ويوضح شاطر أن السبب الواضح والمنطقي لهذه المشكلة هو حاجة الناس سواء لمصدر رخيص للطاقة أو الحاجة المادية التي يسد بيع الخشب المقطوع أو التفحيم جزءاً منها مع التذكير بأن جزءاً لا يستهان به من القطع يتم على أيدي تجار مدفوعين بالجشع أكثر مما هي الحاجة المادية الشديدة.
شاطر الذي أكد أنه لا يمكن لموارد الدولة أن تسدّ حاجة السكان لمصادر الطاقة بالكامل أشار إلى أن مفتاح الحل يكمن في عدة إجراءات تتمثل بإجراء تقييم علمي وفني شامل ودقيق للأضرار التي أصابت هذا القطاع, وإعطاء هامش أكبر لدوائر الحراج في إدارة الثروة الحراجية من خلال المرونة في اختيار وتشغيل العمال وفي إجراء القطوع النظامية المدروسة والتي تؤمن الاستثمار المستدام لهذه الثروة, إضافة إلى تعاون جميع الجهات في الحد من القطع العشوائي بهدف الاتجار غير المشروع بهذه الثروة وإعطاء الموضوع الأهمية التي يستحقها على المستوى الوطني.
تمتد مساحة الحراج في محافظة اللاذقية على نحو 85000 هكتار أي ما يعادل 30% من حراج سورية, وخاصة أن جبال الساحل السوري تشتهر بغاباتها ذات الأشجار البرية المعمّرة، وبثروتها الحراجية الغنية المؤلفة من أشجار الصنوبر والسنديان والبلوط والكينا، وشجيرات البطم والغار وغيرها، التي تلف هذه الجبال بغطاء أخضر, حيث تمتد هذه الغابات في المناطق الجبلية الوعرة والوديان ذات الانحدارات الكبيرة والطبوغرافيا القاسية ,ما يجعلها ذات أهمية استثنائية من الناحية البيئية. ناهيك بالدور المهم الذي تلعبه في حماية التربة من الانجراف والتخفيف من السيول والانجرافات إضافة لأهميتها السياحية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية.
وبالرغم من كل هذه الأهمية يؤكد رئيس دائرة الحراج في مديرية زراعة اللاذقية -باسم دوبا لـ «تشرين» أن مساحة الغابات تتناقص بمعدل /9/ ملايين هكتار سنوياً على مستوى العالم حسب إحصاءات منظمة الأغذية والزراعة «فاو» وهذا له أثر سلبي كبير جداً ويحتاج مئات السنين لإعادته إلى ما كان عليه, وقد يتعذر ذلك إذا كان حجم التعدي كبيراً .
إذ إن زوال الغطاء الغابوي يؤدي إلى انجراف التربة وتكشف الصخرة الأم مؤدياً في المستقبل إلى جبال عارية، وهذا يحتم ضرورة المحافظة على الغابات والعمل على تطوير الغطاء الغابوي, مشيراً إلى أن المواقع الحراجية في المحافظة تعرضت في السنوات العشر الماضية إلى عدد كبير من التعديات بطرق مختلفة, إذ تم حرق مساحات كبيرة منها بفعل التنظيمات الإرهابية, كما إن الوضع المعيشي المتردي والنقص الحاصل في أساليب التدفئة الأساسية من مازوت وغاز وكهرباء أجبر الكثير من سكان المناطق الجبلية على اعتماد الحطب كوسيلة بديلة للتدفئة, ما زاد الضغط على الغابات وتحول الموضوع من احتطاب إلى قطع جائر في بعض المواقع.
وأضاف دوبا: مادامت الغابات الخضراء موجودة فسيبقى هناك تعديات عليها، وكان الأمر واضحاً لدينا من خلال مقارنة عدد الضبوط المنظمة بمخالفة القطع خلال السنوات الثماني الماضية, فقد كان العدد في ازدياد مستمر إذ ارتفع عدد الضبوط من 147 ضبطاً تم تنظيمه عام 2011 إلى 195 ضبطاً خلال عام 2018, مبيناً أن جميع المخالفات والتعديات الحراجية يتم قمعها فور اكتشافها من خلال تنظيم الضبوط الحراجية وفقاً لقانون الحراج رقم /6/ لعام 2018 وقانون الضابطة الحراجية رقم /41/ لعام 2006 وتعليماتهما التنفيذية ومن ثم إحالتها إلى إدارة قضايا الدولة.
وعن دور دائرة الحراج فيما يتعلق بمتابعة الضبوط المنظمة من قبل المخافر الحراجية, قال دوبا: يقتصر دورنا في دائرة الحراج على متابعة الدعاوى الجزائية الناجمة عن المخالفات الحراجية وتقديم جميع الوثائق المطلوبة والتنسيق مع فرع إدارة قضايا الدولة حتى آخر مراحل التقاضي, إذ بلغ عدد الدعاوى المنظورة أمام القضاء في محافظة اللاذقية خلال عام /2019/ 819 دعوى جزائية حسم منها /470/ دعوى بينما تم تدوير /349/ دعوى لعام 2020 أي إنها لا تزال منظورة أمام القضاء.
وأضاف دوبا: أغلبية الدعاوى المحسومة شملت بالعفو الصادر في تاريخ 14/9/2019 إذ تم حسم الكثير من الدعاوى لتشميلها بالعفو وبقي للدولة الحق الشخصي في ذمة المخالف والمتمثل بالتعويض عن الضرر الذي لحق بدائرة الحراج, وبناء عليه تم تحصيل مبلغ مليون وتسعمئة وثمانية عشر ألفاً وتسعمئة وخمسون ليرة لمصلحة الخزينة العامة.
وفيما يتعلق بما تم تداوله مؤخراً على صفحات التواصل الاجتماعي بخصوص إلقاء القبض على أشخاص تسببوا بالحرائق التي شهدتها اللاذقية منتصف تشرين الأول الماضي أوضح دوبا أنه تم تنظيم ضبوط حراجية في جميع الحرائق وتمت متابعة واقع الإخماد على أرض الواقع من قبل المحافظ والجهات المختصة, مضيفاً: علمنا لاحقاً بأنه تم إلقاء القبض على بعض المشتبه بهم, بعضهم منظمة بحقه ضبوط حرق سابقة, وجميع المقبوض عليهم لا يزالون قيد التحقيق في الجهات المختصة ولم تتم موافاتنا بأي معلومات في هذا الخصوص.
وبالنسبة لحالات التعدي التي تم ضبطها خلال العام الماضي, بيّن دوبا أنه تم تنظيم 396 ضبط مخالفة, تنوعت بين رعي وقلع وحرق ومصادرة وقطع وتشويه وكسر وتفحيم, مبيناً انه تمت مصادرة 114920 كيلو غراماً من الأحطاب الحراجية, و23500 كيلو غرام من الأحطاب المثمرة, و8340 كيلو غراماً من الفحم, و800 كيلو غرام من أوراق الغار, و8000 كيلو غرام من الزعتر, و1م3 من التورب.
لافتاً إلى أن العاملين في دائرة الحراج يقومون بعملهم للحفاظ على الغابات من التعديات من خلال شعب الحراج المتوزعة في مناطق قسطل المعاف, ربيعة, عين عيدو, الحفة, القرداحة, جبلة, وهذه الشعب بدورها تقوم بمتابعة مهامها من خلال المخافر الحراجية الموزعة على كامل مساحة المحافظة في المواقع الحراجية الأكثر أهمية إذ يبلغ عدد هذه المخافر /29/ منها /3/ حالياً خارج الخدمة (البيضاء -عين القنطرة-عين عيدو) لوقوعها في مناطق سيطرة التنظيمات الإرهابية أو مناطق اشتباكات معها.
وتابع دوبا: يعمل ضمن المخافر الحراجية في المحافظة /141/ عنصر ضابطة حراجية وهو عدد قليل جداً مقارنةً بالمساحة الحراجية ضمن المحافظة, مهمتهم ضبط التعديات على المواقع الحراجية من خلال الجولات اليومية والكمائن ومصادرة الآليات التي تقوم بتهريب المواد الحراجية إذ يتم بعد ضبط المخالفة تنظيم الضبط الحراجي وإحالته للقضاء إضافة لذلك يتم إعداد الكتب والمذكرات في الحالات التي تحصل فيها ممانعة أو تهديد أو مؤازرة من الجهات المختصة, وتتم إحالة هذه الكتب إلى المحافظ متضمنة طلب ملاحقة المخالفين ومعالجة هذه الحالات كما يتم بشكل دوري طلب توقيف المخالفين الذين تتكرر مخالفتهم برغم تنظيمهم الضبوط الحراجية وذلك بهدف ردعهم عن الاستمرار في المخالفات الحراجية.
برغم أن العاملين في دائرة الحراج يتخذون جميع الإجراءات الممكنة في ظل القوانين والأنظمة الخاصة بالحراج وبمتابعة مستمرة ودقيقة, فإن عدد العمال والحراس المكلفين بضبط التعديات- حسب دوبا- يعد غير كاف قياساً بالمساحات الحراجية لأن المخالفات الحراجية تتم في جميع الظروف الجوية وفي جميع الأوقات, وخاصة أن بعض المخالفين يعمدون إلى ارتكاب المخالفات في ساعات الليل المتأخرة والظروف الجوية السيئة.
وللارتقاء بواقع القطاع الحراجي يرى دوبا أنه بحاجة إلى تأمين بعض المستلزمات الأساسية من تأمين العدد الكافي من سيارات الإطفاء بمختلف أحجامها وسعتها بهدف تغطية جميع المساحات الحراجية في المحافظة والتقليل من المساحات المحروقة إلى الحدود الدنيا, إضافة إلى تأمين العدد الكافي من السيارات الحقلية “دبل كبين” ذات الشد الرباعي بهدف المتابعة والإشراف على تنفيذ جميع الخطط والأعمال الحراجية على أرض الواقع, وتأمين العدد الكافي من سيارات نقل عمال الإطفاء لتغطية جميع مراكز الإطفاء وفرق التدخل وتالياً سرعة الوصول إلى موقع الحريق, إضافة إلى تأمين بعض الآليات الثقيلة الإضافية بهدف المساهمة في عمليات الوقاية من الحرائق وإخمادها في حال نشوبها, وتأمين عدد من الدراجات النارية لتغطية جميع عناصر الضابطة الحراجية والحراس الحراجيين بما يسهم في تكثيف الجولات الميدانية على المواقع الحراجية.
كما أشار دوبا إلى ضرورة تزويد عمال الإطفاء ببدلات اقتراب حرائق تتحمل الحرارة العالية إضافة إلى بقية مستلزمات الأمان من أحذية وكمامات وخوذ واقية, وتجهيز مراكز الإطفاء والفرق بشكل مستمر بجميع العدد والأدوات وكذلك متطلبات المناوبة، مؤكداً أن أكبر تهديد للغابات والحراج هو الحرائق, وعن عقوبة من يفتعل الحرائق, أوضح دوبا أن قانون الحراج الذي صدر عام 2018 يلحظ عقوبات عدة على المعتدين، وأخطر الاعتداءات هو الحرائق المفتعلة عن قصد وخاصة تلك التي تنجم عنها وفاة أحد العاملين في الحراج أو الفرق التطوعية.
وأضاف: في تلك الحالة يكون الإعدام هو عقوبة الفاعل، تخفض إلى الاعتقال المؤبد إن نجمت عنها إصابة أو عاهة دائمة، بينما تتراوح عقوبة بقية الاعتداءات بين السجن مدة 6 شهور إلى 7 سنوات، إضافة إلى دفع غرامة مالية.

طباعة

التصنيفات: أهم الأخبار,السلايدر,محليات

Comments are closed