آخر تحديث: 2020-08-11 09:50:16
شريط الأخبار

الحرب التي سنخوضها

التصنيفات: رؤى عربية

تصادف هذه الأيام الذكرى الأولى لما يسمى «قانون سيزر».. ذلك القانون المجرم الذي أقره الكونغرس الأمريكي عام 2019، والذي نص على فرض عقوبات اقتصادية وحشية على سورية وحلفائها وجميع الدول والشركات التي تتعاون معها اقتصادياً. كان الهدف من القانون تدارك الهزائم العسكرية التي مُني بها المشروع الرأسمالي في المنطقة على يد الجيش العربي السوري وحلفائه، والاستعاضة عن التدمير العسكري، بالتدمير الاقتصادي.
ترافق هذا القانون بحملة إعلامية غير مسبوقة على وسائل الإعلام الغربية، وأبواق بعض الخليجية، هدفها نشر اليأس وتضخيم حجم الأزمة سواء في سورية أو إيران. لا يستطيع المراقب إنكار الأزمة التي سببها هذا القانون، أو الادعاء بسهولة تجاوزها، خاصة في ظل استمرار المعارك على الأرض، والجهد الذي تبذله الولايات المتحدة وحلفاؤها لحرمان سورية من مقدراتها الاقتصادية، سواء من خلال احتلال آبار النفط في شمال وشمال شرق سورية، أو اتلاف المحاصيل الزراعية كما حدث لمحصول القمح في مناطق عدة، إذ تعرض للحرق أو السرقة من قبل المليشيات المتعاونة مع الاحتلال الأمريكي.
في ظل الأزمة، نستعيد دروس التاريخ التي علمتنا أن الحروب الوطنية الكبرى – رغم ما تحمله من مآس وأزمات- ما إن تضع أوزارها حتى تتحول إلى وقود لحركة بناء وعمران اقتصادي واجتماعي يشمل مناحي الحياة المختلفة.. تعلمنا هذا الدرس بعد الحرب العالمية الثانية من شعوب الاتحاد السوفييتي، وألمانيا، واليابان. وفي الحروب الظالمة التي شنتها الولايات المتحدة على كوبا وفييتنام وإيران. في كل مرة كانت الدول المُنتصرة على الاستعمار تستعيد موقعها بسرعة، وتحقق إنجازات اقتصادية وعلمية تتجاوز ما كان الوضع عليه قبل الحرب.
في الاتحاد السوفييتي بعد الحرب العالمية الثانية، وقفت الدولة السوفييتية أمام كارثة اقتصادية وإنسانية، فالحرب حصدت أرواح 26 مليون مواطن منهم 5 ملايين مواطن ماتوا بسبب المجاعة، ودمرت أكثر من 60% من البنى التحتية للدولة، بما في ذلك مدن بأكملها تحولت إلى ركام. وفوق كل هذا تنكر «الحلفاء» للتضحيات السوفييتية التي حققت النصر الحقيقي على النازية. لم يكن أمام الاتحاد السوفييتي سوى الاعتماد على الذات، فالتفت أولا إلى الزراعة، وتمكن من خلال تنشيط التعاضديات الزراعية، والاستثمار في المشاريع الزراعية المتوسطة والصغيرة، من تحقيق الأمن الغذائي وتجاوز آثار الحرب في هذا المجال. وفي الوقت نفسه بدأ سلسلة من الخطط الاقتصادية المركزية في مجالات التنقيب عن النفط وتشجيع الصناعة بإشراف حكومي شبه كامل، واستطاع خلال أقل من 5 سنوات أن يتجاوز صورة البلد الزراعي المتخلف، ليتحول إلى القطب العالمي الثاني في مواجهة الولايات المتحدة الأمريكية. يطلق الروس على تلك الحرب اسم الحرب الوطنية الكبرى، ليس بسبب الانتصار المؤزر على النازية فقط، ولكن لأن ذلك الانتصار ترافق بانتصار آخر على نتائج تلك الحرب، بما حوّل الاتحاد السوفييتي سابقاً، وروسيا حالياً إلى دولة عظمى.
كما يروي لنا التاريخ قصة الصمود الإيراني في وجه حصار اقتصادي ظالم بدأ بعد انتصار الثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979، واستمر على مدى أربعين عاماً حتى يومنا هذا.. ترافق ذلك الحصار مع حرب عبثية شنها نظام صدام حسين على الجمهورية الإسلامية الإيرانية الناشئة آنذاك، بهدف إسقاط ثورتها واستعادتها إلى الحظيرة الأمريكية. عانى الشعب الإيراني الكثير من الأزمات، لكنه مع انتهاء الحرب، حوّل أزمة الحصار إلى فرصة للتنمية، فشهدت البلاد نهضة عمرانية وعلمية واقتصادية. وهاهي إيران اليوم من الدول الرائدة في مجال علوم النانو، والخلايا الجذعية، وتقنية المعلومات والاتصالات، وهي تمتلك قاعدة اقتصادية وصناعية واسعة، تضعها في مصاف الاقتصاديات الصاعدة كالهند، والبرازيل، وفي الوقت نفسه تمتلك جيشاً قوياً يفرض احترامه وهيبته على كل الخصوم.
في جميع الحالات، كان تدخل الدولة وإمساكها بمفاصل الاقتصاد الوطني، وإدارته بشكل يوازن بين حاجات المعركة وضرورات التنمية، الأداة الأهم في تجاوز الأزمة، لكن كلمة السر كانت الشعوب التي آمنت بقضاياها الوطنية، وبحجم المؤامرات التي تحاك لأوطانها، وترجمت وعيها إلى عزيمة وصمود في وجه العدو أولا، ومن ثمَّ الانخراط في معركة إعادة البناء بحس المسؤولية الوطنية، الذي تجاوز في الكثير من الأحيان خطط الدولة نفسها. لم تقف تلك الشعوب عند خلافاتها، ولا عند تباين مواقفها السياسية، كان الوطن أكبر من الجميع، فجاءت معجزة إعادة الإعمار بالاعتماد على الذات.
اليوم، تخوض سورية حربها الوطنية الكبرى ضد المشروع الرأسمالي برأس حربته الأمريكي. وهي حرب وطنية لأن الهدف لم يكن احتلال الأرض أو تغيير النظام السياسي، بل تدمير الوطن، وتغيير بنيته الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. واليوم، أيضاً، يحقق الجيش العربي السوري وحلفاؤه بتضحياتهم، والشعب السوري بصموده الأسطوري النصر في المعركة على الأرض.. هذا النصر الذي دفع العدو إلى شن حرب اقتصادية لا تقل ضراوة عن الحرب العسكرية، بل لعلها تزيد ضراوة عنها، إذ تمس تفاصيل الحياة اليومية لملايين المواطنين، فتحمل معها المعاناة، والشعور بضيق الخيارات، وقد تدفع البعض إلى الإحباط واليأس، وهو الهدف الذي يرجو العدو تحقيقه من هذه الحرب.
من دون إنكار لمعاناة المواطنين، لكننا ما زلنا نخوض الحرب بشقيها الاقتصادي والعسكري، ولا يستطيع أحد ادعاء امتلاك حلول سحرية تنهي الأزمة بقرار أو إجراء بعينه. لذلك علينا أن ندعم الإجراءات التي تتخذها الدولة بصمودنا، وقناعتنا بأننا مثل جميع الأمم التي تعرضت لحروب ظالمة وانتصرت فيها، سننهض ونعيد بناء بلدنا، وبشكل أفضل مما كانت عليه، لأننا إضافة إلى الإمكانات الاقتصادية والبشرية، سنمتلك الإرادة الحرة المستقلة. هذه الإرادة هي الوصفة السحرية التي ستحيل الحرب إلى ذكرى فخر وانتصار، فنحن من قال عنهم الشاعر «إننا أمة لو جهنم صبّت فوق رأسها.. واقفة».

*كاتب من الأردن

طباعة

التصنيفات: رؤى عربية

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي


Comments are closed