آخر تحديث: 2020-02-27 16:45:57
شريط الأخبار

سورية وإرادة النهوض

التصنيفات: رؤى عربية

ما شهدته سورية خلال العقد الأخير يُعد بمثابة حرب كونية عليها، وهناك من يصفها من المراقبين بأنها حرب عالمية ثالثة على الأرض العربية السورية لكن بأساليب وطرق جديدة في إطار الجيل الرابع للحروب، فالأصيل في هذا النوع من الحروب يتراجع خطوات إلى الخلف ويعمل في الخفاء في حين يتصدر المشهد وكلاء تقع على عاتقهم الحرب المباشرة لتدمير الدولة التي ترفض هيمنة الأصيل ولا تخضع لإرادته، وفي الحالة السورية كان الأصيل هو الولايات المتحدة الأمريكية القطب الأوحد في العالم حتى بدء هذه الحرب الكونية على سورية في مطلع عام 2011.
إذ وقفت سورية بمشروعها التنموي المستقل الذي يعتمد على الاستثمار الأمثل لمواردها الطبيعية والبشرية بعيداً عن اللجوء للخارج أو الاعتماد على الغير، ففي الوقت الذي اتجهت فيه أغلبية دول العالم الثالث الساعية للنمو والنهوض إلى المشروع الرأسمالي الغربي الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية وتقدم من خلاله «روشتة» العلاج عبر المنح والقروض التي يقدمها صندوق النقد والبنك الدوليان اللذان يخضعان لسياسات وإملاءات واشنطن، قررت سورية الاتجاه بعيداً حيث قرأ القائد المؤسس حافظ الأسد المشهد جيداً وتأكد أن أي محاولة للتنمية والنهوض وفقاً لهذا المشروع الرأسمالي الغربي ستسلب بلاده إرادتها وستجعل قرارها السياسي في يد أصحاب المنح والقروض، لذلك قرر أن يسير في اتجاه مغاير في طريق صعب وشاق، ولكنه كان الأفضل لبلاده، إذ حفظ لها استقلالها الاقتصادي والسياسي.
وجاء من بعده الرئيس بشار الأسد ليستكمل مسيرة النهوض والتنمية المستقلة، وبالفعل خلال العقد الأول من الألفية الثالثة استطاعت سورية أن تحقق قدراً كبيراً من الاكتفاء الذاتي ما جعل المراقبين يطلقون عليها تسمية «الدولة التي تأكل مما تزرع وتلبس مما تصنع» في الوقت الذي كانت فيه غير مدينة بدولار واحد للغرب الرأسمالي وعلى رأسه الولايات المتحدة، ما مكنها من استقلالية قرارها السياسي وقدرتها على الوقوف في وجه سياسات الهيمنة الأمريكية ورفضها الخضوع لأي إملاءات خاصة فيما يتعلق بالسلام المزعوم مع العدو الصهيوني أو التخلي عن محور المقاومة الذي يقف حجر عثرة في وجه المشروع الأمريكي – الصهيوني في المنطقة، ومن هنا كان قرار الحرب على سورية من الأصيل عبر الوكلاء الإرهابيين الذين تم تجميعهم من كل أصقاع الأرض وجلبهم للأرض العربية السورية لتبدأ هذه الحرب الكونية.
ودخلت سورية الحرب مضطرة ليس فقط للدفاع عن أرضها ومشروعها المقاوم بل للدفاع عن شرف وكرامة الأمة العربية كلها من الماء إلى الماء، وتعرضت الدولة العربية السورية خلال سنوات الحرب- التي تقترب من العقد- إلى ما لم تتعرض له دولة عبر تاريخ البشرية من وحشية وتدمير، وعلى الرغم من الصمود الأسطوري للشعب العربي السوري، وبسالة الجيش وتضحياته الكبيرة في الدفاع عن التراب الوطني، وشجاعة وبطولة وحنكة الرئيس بشار الأسد في إدارة الحرب على المستويين الميداني والسياسي، فإن الحرب دائماً تترك آثارها المدمرة التى يمكن أن تستمر سنوات قادمة بعد انتهائها، وهذا ما يحلم به العدّوان الأمريكي والصهيوني إذ يردد أنصارهما أن سورية «أمامها زمن طويل» من أجل العودة والنهوض.
لكن حركة التاريخ تقول عكس ذلك، ولن نذهب بعيداً فخلال الحرب العالمية الثانية خرجت دول المحور مهزومة ومدمرة تدميراً غير مسبوق خاصة ألمانيا واليابان، لكن هاتين الدولتين لم تُدفنا تحت التراب بعد الحرب العالمية الثانية، لقد نهضتا من تحت الحطام والأنقاض لتعودا إلى مقدمة الدول في العالم في شتى المجالات، إذ بدأت ألمانيا شيئاً فشيئاً بإعادة الاعمار، وببطء قامت باستعادة قوتها معتمدة على مواردها، فقامت برفع مستوى المعيشة بشكل تدريجي للشعب الألماني، وقامت بتصدير البضائع المحلية إلى الخارج، والتقليل من مستويات البطالة، وزيادة إنتاج الغذاء المحلي، والتقليل من السوق السوداء، ثم اتجهت إلى التصنيع في شتى المجالات خاصة الصناعات الثقيلة حتى أصبحت اليوم رائدة في الصناعات المختلفة على مستوى العالم.
والأمر نفسه– وإن بشكل أكثر صعوبة- نهضت اليابان بعد الحرب العالمية الثانية التي خرجت منها بخسائر مادية وبشرية رهيبة، وهي في الأساس دولة لا تمتلك موارد طبيعية، وظن البعض أنها قد خرجت وبشكل نهائي من قائمة الدول المتقدمة، وعلى الرغم من خسارة اليابان خمس أراضيها التي أصبحت غير صالحة للاستغلال البشري بعد ضربها بالقنابل الذرية من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، فإن ذلك لم يمنع اليابان من النهوض وإعادة الاعمار واستغلال العنصر البشري لاستصلاح الأراضي واستغلالها في الأعمال الزراعية لتوفير الغذاء الكافي للبلاد، كما تم تطبيق المبادئ الحديثة في الإدارة وتشجيع المخترعين والمكتشفين وتقديم ما يلزمهم لتطوير اختراعاتهم وتسويقها، هذا إلى جانب الاهتمام البالغ بالتعليم ووضع المعلم في مكانة مرموقة من أجل إعداد الأجيال القادمة، وبذلك عادت اليابان إلى صدارة الدول المتقدمة.
ومن خلال هذه التجارب التاريخية يمكننا القول إن سورية وبرغم ما تعرضت له من تدمير بفعل الحرب الكونية عليها فإنها مازالت قادرة على النهوض وبسرعة كبيرة، فعلى الرغم من أن الحرب لم تنته بعد لكن الدولة السورية قد بدأت فعلا في إعادة الاعمار، وتعمل جاهدة إلى أقصى الحدود لتحمل مسؤوليتها الاجتماعية تجاه مواطنيها، ويمكن ملاحظة ذلك من خلال دراسة أوضاع المهجرين واللاجئين السوريين للتعرف على احتمالات عودتهم للمشاركة في عملية إعادة الاعمار، إلى جانب دراسة الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للمدن والمناطق المحررة من الإرهاب للتعرف على حاجات مواطنيها في مرحلة إعادة الاعمار، وهو ما يؤكد قدرة سورية على النهوض بشكل سريع سوف يدهش ويزعج كل من تآمر عليها.. اللهم بلغت اللهم فاشهد.

*كاتب من مصر

طباعة

التصنيفات: رؤى عربية

Comments are closed