آخر تحديث: 2020-02-25 14:04:14
خبر عاجل
الجيش يحرر قرية بعربو بريف إدلب الجنوبي ويلاحق فلول الإرهابيين في المناطق المجاورة

مَنْ التالي بعد بريطانيا؟.. لندن تجتاز نصف طريق «بريكست» وتدخل الفترة الانتقالية على أرض رخوة.. حكومة جونسون تغامر بـ «الخروج»… وبوضع «كل البيض» في سلة ترامب

التصنيفات: دراسات,سياسة

خسر بوريس جونسون معركة «بيغ بن»..الساعة البريطانية الشهيرة لن تَدُق احتفاء بخروج البلاد رسمياً من الاتحاد الأوروبي، والمقرر في الـ31 من كانون الثاني الجاري، والمُسمى اختصاراً «بريكست»..ربما هي خسارة معنوية لا تقدم ولا تؤخر، لكن البعض يرى فيها «دلالة نحس» إذا ما اعتبرنا أن بريطانيا ستجتاز فقط «نصف طريق» بريكست، بينما النصف الآخر يتمثل في الفترة الانتقالية التي ستمتد طوال هذا العام 2020 ولا يبدو أنها ستكون أقل تعقيداً وصعوبة من مرحلة ما قبل «بريكست» التي استمرت ثلاث سنوات ونصف السنة.
لا بأس.. لتَغِبْ دقات «بيغ بن» يقول جونسون، ولتحضر أنوار «10داوننغ ستريت» المقر الحكومي، لتكون الشاهد التاريخي على «اللحظة الفارقة التي تسترد فيها بريطانيا استقلالها»..هكذا تحدث جونسون يوم السبت الماضي.. ولا يبدو أن مفاجآت ستحدث بما يقود إلى إلغاء أو تأجيل هذا اليوم.
التحضيرات على قدم وساق.. حكومة جونسون وداعموها من الأحزاب يستعدون «لليوم الكبير».. الاحتفالات ستعم الأرجاء والأجواء، أعلام وخُطب وموسيقا.. وعرض ضوئي في «داوننغ ستريت» سيُبث مباشر مع دقات العد التنازلي للساعة الأخيرة لبريطانيا ضمن الاتحاد الأوروبي.. وحتى إنه سيتم إصدار عملة معدنية خاصة تخليداً لهذا اليوم.
هكذا ستكون أجواء بريطانيا في الأيام العشرة القادمة المتبقية «لليوم الموعود»، حتى ليبدو أن البريطانيين وحكومتهم لا يفكرون باليوم التالي، أو هم لا يريدون التفكير فيه، يريدون فقط أن يعيشوا اللحظة وكأن جبلاً ثقيلاً كان جاثماً فوق صدورهم واليوم يحتفلون بإزاحته وهم مطمئنون إلى أن بلادهم ستكون أفضل بلا أوروبا برغم سيل التقارير (الاقتصادية تحديداً) التي لا تزال تنهمر عليهم وتحذرهم من أنهم يقدمون على خطوة في الظلام ويغامرون بأن تأتي خطوتهم على فراغ وحيث يكون قد فات الأوان.
لكن لا شيء يمكن أن يغير أو يبدل الموقف، بل إن البريطانيين تعمّدوا أن يردوا على تلك التقارير بمنح جونسون صلاحية مطلقة ليُنفذ «بريكست» بأسرع ما يمكنه من دون عراقيل ولا منغصّات ولا ضغوط.
حال البريطانيين هذا ليس حال الأوروبيين الذين «أسقط في يدهم»أخيراً، ليجدوا أنفسهم مجبرين على توقيع اتفاق الخروج «بريكست» في الـ31 من هذا الشهر، على أمل أن تجري رياح المرحلة الانتقالية بما لا تشتهي سفن البريطانيين، لكنه أمل ضئيل، وعلى الأوروبيين أن يستعدوا جيداً لتداعيات خروج بريطانيا «إنه جرس إنذار للاتحاد الأوروبي برمته» هكذا حذرت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل.. لكن الأوروبيين- بالمجمل- شبه متيقنين من أن بريطانيا هي البداية فقط ، ولن يطول الوقت لتلحق بها دول أوروبية أخرى، وأن الاتحاد الأوروبي لا بد زائل مهما حاول قطباه الرئيسان: ألمانيا وفرنسا عرقلة ذلك أو تأخيره.

فعلياً، دخلت بريطانيا مرحلة العد العكسي السريع لتحقيق «بريكست» إذ لم يبق سوى عشرة أيام ويصدق الاتحاد الأوروبي على اتفاق «بريكست» الجديد الذي توصل إليه مع جونسون، لينتقل الجدل بعدها إلى الفترة الانتقالية التي سيتم التفاوض فيها على شكل العلاقات التجارية بين الجانبين.
«الفترة الانتقالية»
وخلال الفترة الانتقالية ستبقى بريطانيا ضمن الاتحاد الجمركي والسوق الموحدة للاتحاد الأوروبي، لكنها في المقابل ستكون خارج مؤسساته السياسية (بمعنى أن البريطانيين سيطبقون الأنظمة الأوروبية ويستفيدون منها ويدفعون كذلك مساهمتهم المالية ولكن من دون أن يكونوا أعضاء في المؤسسات الأوروبية أو يشاركوا في القرارات)..وعلى نحو عام لا أحد من الطرفين يتوقع أن تكون المفاوضات سهلة، بينما يرى المراقبون أن التوصل إلى اتفاق تجاري سيكون من شبه المستحيل ضمن الفترة الانتقالية المحددة، وأنه لا بد من التمديد، ولكن جونسون يرفضه بحدّة ويُصر على الخروج حتى من دون اتفاق أو بـ «اتفاق جزئي» ولكن «لا تمديد».
وطبعاً خلفية هذه الموقف من جونسون معروفة فهو يراهن على الولايات المتحدة ويضع كل «البيض البريطاني» في سلة ترامب، وهو يستعد لأن يولي وجهه شطر الولايات المتحدة مباشرة في اليوم التالي لتصديق الاتحاد الأوروبي على اتفاق «بريكست»، ومن المقرر أن يلقي خطاباً أمام الكونغرس الأميركي للحديث عن العلاقات البريطانية – الأميركية والتعاون بينهما خصوصاً الاقتصادي، ولا بد له طبعاً من أن يتطرق إلى «الجنّة الاقتصادية» التي وعد ترامب بها بمجرد الخروج من الاتحاد الأوروبي، والمقصود هنا اتفاق التبادل التجاري الحر..هذا الاتفاق الذي يوصف بأنه الأضخم تاريخياً يكاد يكون رهان بريطانيا الوحيد على مستقبل ما بعد بريكست، وهو- إذا ما تم – سيقيها فعلياً من خسائر الخروج من دون اتفاق (تبلغ المبادلات التجارية بين بريطانيا والولايات المتحدة 262 مليار دولار وفي حال توقيع اتفاق بينهما سيرتفع هذا الرقم إلى 600 مليار دولار).
لكن المراقبين يحذرون من أن رهان بريطانيا قائم على وعد فقط.. فماذا لو لم يفِ ترامب بوعده.. ماذا إذا تم عزل ترامب هل سيلتزم خليفته بالوعد..ماذا إذا كان الرئيس الذي يأتي بعده من «الديمقراطيين» الذين ربما يتجهون إلى التخلص من كل إرث ترامب كما يفعل ترامب نفسه مع إرث سلفه باراك أوباما؟
المهمة ما زالت صعبة
من هنا، يضيف المراقبون أن مهمة جونسون في التفاوض مع الأميركيين لن تكون سهلة تماماً كما هي مع الأوروبيين، فهناك الكثير من التفاصيل المعقدة التي يبدو بعضها من المستحيل الاتفاق عليه وخاصة تلك المتعلقة بالحدود الإيرلندية، ومعايير المواد الغذائية التي ستدخل السوق البريطاني، إضافة إلى وضعية المركز المالي في لندن، وكيف يمكن الحفاظ عليه كأكبر مركز مالي في العالم، وعدم انسحاب رؤوس الأموال الأوروبية منه.
فعلياً، لم يَدّخر جونسون أي جهد لتجاوز العقبات على طريق إبرام اتفاق مع الولايات المتحدة، فمثلاً هو قام بحذف الالتزام بالمعايير الأوروبية فيما يتعلق بالمواد الغذائية، لأن هذه المعايير كانت ولا تزال العقبة أمام المفاوضات التجارية بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، وتالياً لا يريدها جونسون أن تستمر عقبة في وجه إبرام الاتفاق التجاري مع الولايات المتحدة.
ماذا يقول اتفاق «بريكست»؟
لنفهم أكثر عقبات التفاوض بين بريطانيا والولايات المتحدة، سنعرض بالمختصر ماذا يتضمن اتفاق «بريكست» الذي سيصدق عليه الاتحاد الأوروبي في الـ 31 من هذا الشهر.
أولاً، حقوق المواطنين: تمتد الفترة الانتقالية حتى نهاية 2020 لتبقى خلالها الأمور كما هي الآن، وبما يُمكّن 3,2 ملايين أوروبي في بريطانيا و1,2 مليون بريطاني في أوروبا من مواصلة الدراسة والعمل والحصول على مكافآت وجلب عائلاتهم، كما هو الحال قبل الخروج.
ثانياً، التسوية المالية: تحترم بريطانيا الالتزامات التي تم التعهد بها بموجب الموازنة الحالية المتعددة السنوات (2014-2020) والتي تغطي أيضاً الفترة الانتقالية، في المقابل ستستفيد من الصناديق الهيكلية الأوروبية والسياسة الزراعية المشتركة.
ثالثاً، النظام الجمركي في إيرلندا الشمالية: – تبقى مقاطعة إيرلندا الشمالية ضمن المنطقة الجمركية لبريطانيا، وإذا ما دخلت منتجات من بلدان أخرى (مثل الولايات المتحدة) إليها وبقيت فيها، تطبق عليها الرسوم الجمركية البريطانية.. في المقابل، إذا كانت هذه البضائع قادمة من دول ثالثة متجهة إلى الاتحاد الأوروبي عبر إيرلندا الشمالية، فستطبق السلطات البريطانية عليها الرسوم الجمركية للاتحاد. وتقوم الجمارك البريطانية بالتحقق من المنتجات عند دخولها إلى المقاطعة وتطبيق قانون الجمارك الخاص بالاتحاد.
– تواصل إيرلندا الشمالية تطبيق مجموعة محدودة من لوائح الاتحاد، بما في ذلك تلك الخاصة بالسلع المتصلة بالجانب الصحي، وسيكون لجمعية إيرلندا الشمالية (ستورمونت) صوت حاسم بشأن التطبيق طويل الأجل لتشريعات الاتحاد في هذه المنطقة. تتعلق آلية «التطبيق» هذه بجملة أمور منها تنظيم البضائع والجمارك والسوق الموحدة للكهرباء وضريبة القيمة المضافة والمساعدات الحكومية…هذا يعني أنه بعد مرور أربع سنوات على انتهاء الفترة الانتقالية، يجوز للجمعية بأغلبية بسيطة، إعطاء الضوء الأخضر للحفاظ على تطبيق قانون الاتحاد أو التصويت لمصلحة التخلي عنه.. وفي الحالة الأخيرة، سيتوقف تطبيق القانون بعد ذلك بعامين.. وبعد مرور أربع سنوات على بدء تنفيذ الاتفاق، يجوز للممثلين المنتخبين لإيرلندا الشمالية أن يقرروا، بأغلبية بسيطة، ما إذا كانوا سيستمرون في تطبيق قواعد الاتحاد أم لا.
– ولتجنب وجود حدود فعلية بين المقاطعة الإيرلندية وجمهورية إيرلندا وحماية سلامة السوق الأوروبية الموحدة، سيستمر تطبيق قواعد ضريبة القيمة المضافة للاتحاد على البضائع في إيرلندا الشمالية، وستكون دائرة الجمارك في بريطانيا مسؤولة عن تطبيق وتحصيل هذه الضريبة. ويَعِد الاتحاد باتفاقية «بلا رسوم جمركية ولا حصص» مع لندن.. في المقابل، تطلب بروكسل «ضمانات» بشروط منافسة منصفة، والهدف هو ضمان استمرار أن تحترم بريطانيا المعايير الاجتماعية والمالية والبيئية للاتحاد.
التناقض في التفسير والتصريحات
الآن.. سنعرض للتناقض في تفسير الاتفاق في جزئيته المتعلقة بإيرلندا الشمالية وخصوصاً إقامة الحدود وهذا ما يشير إليه كبير مفاوضي الاتحاد الأوروبي لشؤون بريكست ميشيل بارنييه، إذ أكد في الـ 16 من هذا الشهر أن العمل مستمر لإرساء نقاط «تفتيش وضوابط» بين بريطانيا وإيرلندا الشمالية بموجب اتفاق بريكست وقال: نتطلع إلى تعاون بناء مع السلطات البريطانية لضمان احترام جميع الأحكام وتنفيذها.
وكان جونسون كذّب مرات عدة هذا الأمر، وآخرها قبل نحو عشرة أيام عندما قال: لا تدعوا الشك يخامركم..لا أستطيع رؤية ظروف ستحتاج فيها البضائع إلى تفتيش عند نقلها من إيرلندا الشمالية إلى بريطانيا..إن الظروف الوحيدة التي يمكنكم أن تتخيلوا فيها الحاجة إلى تفتيش، تتمثّل في حال كانت تلك البضائع ستصل إلى إيرلندا الشمالية قبل أن نضمن أنها تحقّق شروط التعرفة الجمركية الصفرية، والحصص الصفرية مع أصدقائنا وشركائنا في الاتحاد الأوروبي.. هذا ما أنا واثق من أننا سنفعله. ويرى مراقبون أن جونسون ربما فهم خطأ مضمون اتفاق بريكست بخصوص إيرلندا الشمالية، بينما تتهمه المعارضة بأنه يعرف المضمون جيداً لكنه يكذب، وهناك كثير من التحليلات تدعم اتهامات المعارضة، إضافة إلى تقارير حكومية مُسربة تؤكد وجود نقاط حدودية للتفتيش بين بريطانيا وإيرلندا الشمالية..هذه الحدود- حسب الخبراء الاقتصاديين- ستكون مدمرة للاقتصاد الإيرلندي الشمالي لأن شركات التصدير فيها هي من سيتحمل كامل التكلفة الجمركية وإجراءات التفتيش والتدقيق.
لا تراجع
هذا التناقض في التفسير وفي التصريحات يثير القلق بشأن حقيقة ما يتضمنه اتفاق بريكست، أو لنقل كيف سيتم تفسير بنود الاتفاق خلال مفاوضات الفترة الانتقالية حول شكل العلاقات المستقبلية التجارية بين الطرفين، وهذا ما سيقود تالياً إلى تأخير بدء عملية التفاوض مع الولايات المتحدة حول اتفاق التبادل التجاري الحر، وهذا ما لا يريده جونسون، وربما لن يكون أمامه سوى المغامرة حتى النهاية، أولاً في الخروج من الاتحاد من دون اتفاق، وثانياً في استمرار الثقة بالولايات المتحدة بأنها ستكون المنقذ.
في الحالة الثانية، يُفترض بالولايات المتحدة أن ترسل إشارات طمأنة، لكنها لا تفعل، فهل ثقة جونسون في محلها؟

طباعة

التصنيفات: دراسات,سياسة

Comments are closed