آخر تحديث: 2020-02-25 15:02:50
شريط الأخبار

الآثار التي سيتركها «بريكست» على بريطانيا ودول الاتحاد الأوروبي

التصنيفات: دراسات,سياسة

مع اقتراب موعد خروج بريطانيا الرسمي من الاتحاد الأوروبي، لا يزال البريطانيون ومنذ مئات السنين وبرغم المتغيرات الدولية يرون بلادهم (الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس)، ويرون أنفسهم منفصلين عن العالم كله وخاصة أوروبا ويعتقدون أنهم كيان مستقل لا يمكن اختراقه.. هكذا يرى البريطانيون أنفسهم، لا يحبذون الانصهار في بوتقة أوروبية تهدد بمحو كيانهم وتاريخهم، كما أن البريطانيين الذين سعوا على مر الزمان لحماية أرضهم من الغزو الخارجي وحماية يدهم العاملة من المنافسة الخارجية لا ينظرون بارتياح إلى تدفق العمالة الأجنبية إلى مصانعهم ومؤسساتهم.
الآن، وبعد انضمام دام 43 عاماً بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي، من الأول من كانون الأول 1973 إلى 24 حزيران 2016 تنفصل بريطانيا رسمياً عن الاتحاد الأوروبي، إذ دخلت مرحلة جديدة في تاريخها السياسي والاقتصادي والاجتماعي وهي مرحلة «بريكست».
تعد بريطانيا أحد الأعمدة الرئيسة في الاتحاد الأوروبي، وخامس اقتصاد عالمي، وهي مركز أوروبا المالي، وصاحبة أكبر نصيب من الاستثمارات الأوروبية المباشرة، إذ حصلت على امتيازات كثيرة وهي ضمن الاتحاد الأوروبي، ففي المجال الاقتصادي تميزت السلع البريطانية بسهولة تنقلها ضمن دول الاتحاد، وسهولة تنقل خطوط طيرانها أيضاً، وهناك أكثر من نصف مليون بريطاني يعملون في مؤسسات دول الاتحاد، إضافة إلى احتفاظها بعملتها الجنيه الإسترليني، وعدم التعامل بالعملة الأوروبية الموحدة «اليورو».. ومع كل هذه الامتيازات، فإن الرغبة في الانفصال استمرت قائمة.
إن العلاقات البريطانية- الأوروبية تميزت بعدم الارتياح المتبادل، وكانت و لا تزال تقوم على تاريخ طويل من عدم الثقة والانسجام في التوجهات والرؤى وخصوصاً مع الدولتين الكبيرتين في الاتحاد الأوروبي ألمانيا وفرنسا، إذ لم تكن بريطانيا متحمسة يوماً لعملية التكامل والاندماج الأوروبي.
إن خروج بريطانيا من الاتحاد يعني لها الكثير، وخاصة على الصعيد الاقتصادي، فبريطانيا ستفقد بعد انسحابها كل امتيازات العضوية الكاملة في حرية دخول البضائع والسلع والخدمات من دون تعرفة جمركية لأكبر سوق في العالم وهي السوق الأوروبية الموحدة التي تضم 500 مليون شخص بحجم ناتج إجمالي يصل إلى أكثر من 18 تريليون يورو، وستفقد التبعية لاتفاقات التبادل التجاري مع 53 دولة، إذ كانت ترتبط باتفاقات تجارة مع الاتحاد الأوروبي، وكذلك مع كل من كندا وسنغافورة وكوريا الجنوبية والمكسيك وغيرها، وستكون مضطرة للتفاوض الثنائي مع كل دولة لتحصيل الامتيازات التجارية ذاتها.
ومن جهة أخرى، ستفاوض بريطانيا للوصول إلى السوق الأوروبية المشتركة لتسويق صناعات الخدمات لديها، في حين تتمتع الشركات المصنعة في الاتحاد الأوروبي تلقائياً بحقوق – تكاد تكون غير محددة – لبيع ما ترغب في بيعه بموجب القواعد العالمية التي وضعتها منظمة التجارة العالمية، وستكون بريطانيا بحاجة إلى اتفاق شراكة مع دول الاتحاد الأوروبي على غرار الاتفاقات التي تم التفاوض عليها مع سويسرا والنرويج، الكيانين الاقتصاديين الكبيرين الوحيدين خارج الاتحاد الأوروبي.
ومن منظور الاتحاد الأوروبي، فإن شروط أي اتفاق مع بريطانيا لا بدّ من ألاّ تقل صرامة عن تلك الواردة في اتفاقات الشراكة القائمة، لأن منح بريطانيا شروطاً أسهل من شأنه أن يفرض على الفور تنازلات مماثلة لكل من سويسرا والنرويج.. وفي حال حصلت بريطانيا على أي امتياز خاص، فإن ذلك سيغري أعضاء آخرين تعوزهم الحماسة إلى التهديد بالخروج من الاتحاد الأوروبي والمطالبة بإعادة التفاوض بالنتيجة.
وهناك مسألة داخل بريطانيا تثير الجدل وهي محاولة اسكتلندا الاستقلال، لكن وجود بريطانيا داخل الاتحاد الأوروبي جعل الاسكتلنديين يعارضون «بريكست»، ومجرد خروجها من الاتحاد سيعطي الفرصة للاسكتلنديين للقيام باستفتاء جديد للاستقلال.
لقد اتخذت بريطانيا مجموعة من الإجراءات لتقليل أثر الانفصال السلبي عن أوروبا، إذ قامت بتوطيد علاقاتها التجارية مع بعض دول العالم ومنها الهند، للمضي بالاستثمار في اقتصادات متنوعة، وبناء علاقات مع حلفائها، لكنها لم تأخذ في الحسبان أن خروجها من الاتحاد الأوروبي يعني أن مدناً أوروبية عدة ستتنافس لجذب الشركات والوظائف من لندن التي تمثل حالياً المركز المالي الرئيس لأوروبا، وكانت مؤسسات بنكية عدة أعلنت اعتزامها مغادرة لندن فور خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
وبعد الانسحاب البريطاني تشير التوقعات إلى هجرة واسعة لرؤوس الأموال، وعزوف الاستثمار في قطاع العقارات والخدمات المزدهر في لندن، واحتمال انتقال العاصمة المالية للاتحاد الأوروبي من لندن إلى باريس وفرانكفورت حيث مقر البنك المركزي الأوروبي، فضلاً عن مسارعة وكالات التصنيف العالمية إلى إعادة النظر في التصنيف الائتماني السيادي لبريطانيا.. وسينعكس خروج بريطانيا سلباً على المواطنين البريطانيين الذين يزورون أوروبا، كما سينعكس على البريطانيين المقيمين في بعض الدول الأوروبية ومنها إسبانيا وإيرلندا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا، إذ كانت عضوية الاتحاد الأوروبي تمكّن المواطن البريطاني من التنقل بحرية والعمل داخل دول الاتحاد من دون الحاجة إلى تصريح خاص، أمّا عند خروجها من الاتحاد فسوف يحتاج البريطانيون تأشيرات دخول، إضافة إلى تكبد أعباء مالية إضافية للسفر، وفضلاً عن ذلك هناك شكوك وتساؤلات بشأن مصير موظفين بريطانيين كثر يعملون في مؤسسات أوروبية وخصوصاً في بروكسل.. كما سيقود خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي إلى تعقيد العلاقة مع جيرانها، وربما تغلق إسبانيا حدودها مع منطقة جبل طارق حيث يعيش 33 ألف بريطاني.. وفي الشمال يمكن أن يؤدي ذلك إلى إقامة حدود بين إيرلندا الشمالية وجمهورية إيرلندا، ما ينعكس سلباً على حركة الأفراد وتنقل البضائع.
وفي الوقت ذاته، سينعكس الخروج البريطاني سلباً على الاتحاد الأوروبي الذي سيبدو أضعف وأصغر من دون بريطانيا، وسيختل التوازن السياسي الذي كان يضمنه وجودها مع ألمانيا وفرنسا داخل الاتحاد، إذ تعد بريطانيا أكبر مقدم للخدمات المالية في الاتحاد، فثمة بنوك ومؤسسات مالية مصرفية عالمية كثيرة تدير جزءاً من أعمالها من بريطانيا لضمان ما يعرف بـ«حقوق جواز السفر» أي أن تُنشئ فروعاً لها في لندن يسمح لها بدخول السوق الأوروبية كلها، لكن بعد الخروج البريطاني ستضطر هذه المؤسسات والبنوك إلى إنشاء فروع لها في دول أوروبية أخرى، ما سيؤدي إلى هبوط بنسبة 50% فيما يتعلق بالخدمات المالية المقدمة من لندن إلى الاتحاد، أي خسارة 10 مليارات جنيه إسترليني سنوياً.

عن «غلوبال ريسيرش»

طباعة

التصنيفات: دراسات,سياسة

Comments are closed