آخر تحديث: 2020-02-27 14:49:30
شريط الأخبار

بين الشعبوية والشعبية

التصنيفات: زوايا وأعمدة

ما بين الشعبوية والشعبية أكثر من حرف الواو وأقل من التناقض التام. ما يجمع المصطلحين مصدرهما، أي الشعب، أما ما يفرقهما فكثير. الشعبوية مفهوم سلبي والشعبية مفهوم إيجابي، الشعبوية تستخدم في اللسان السياسي بكثرة اليوم بينما انسحبت الشعبية من الاستخدام بعد أن كانت سائدة قبل عقود..
الشعبية تعني التزام الحزب أو القائد السياسي بمصالح الشعب.. والمقصود بالشعب أغلبيته العظمى أي الطبقة الوسطى وما دون. عند الشعوب كلها تشكل هذه الفئة من ثمانين إلى تسعين في المئة من مجمل الشعب، بينما تشكل النخب الاقتصادية من عشرة إلى عشرين في المئة..
من المفروض أن تكون المصالح العامة لهذه الفئة العريضة واحدة، فهي الفئة التي لا تشكل أغلبية المجتمع فحسب، وإنما تمثل مصالحه العامة أيضاً. قد يكون هذا صحيحاً لكن المشكلة أن هناك قوى سياسية متصارعة في المجتمعات تدّعي كل منها أنها تعبر عن هذه الفئة الواسعة من الناس، الفئة التي تحمل مصطلح الشعب..
لم يستطع علم السياسة حل هذا اللغز بين وحدة مصالح الشعب وصراع القوى التي تدّعي أنها تمثله، لذلك دخل مصطلح الشعبية في قاموس الديماغوجية السياسية وأصبح عرضة للابتذال والغوغائية..
أحيط هذا المصطلح بمجموعة من الشعارات البراقة، وقام دعاته باستخدامه لتغطية مصالح وتوجهات سياسية فئوية، مستندين إلى ما يتركه المصطلح من تأثير نفسي إيجابي عند الناس..
وهذا نوع من عبث السياسة الواضح، أعني إساءة استخدام المصطلحات الإيجابية وتحويلها إلى غطاء يخفي مطامع غير شعبية..
وإذا كانت الشعبية تعني تمثيل مصالح الأغلبية من الناس، وهذا أمر إيجابي، فإن الشعبوية تتخذ منحى آخر، سلبياً جداً، إذ إنها وسيلة لإثارة غرائز الناس العامة من أجل مكاسب سياسية. وفي هذا المجال تعد إثارة الغرائز العنصرية والفوقية واحدة من أهم مضامين هذا المصطلح ناهيك بتحريض التعصب الديني والمركزية الثقافية..
يستخدم ترامب المصطلح لإثارة النزعات العنصرية والمركزية الثقافية عند الأمريكيين. فأمريكا «ينبغي أن تقود العالم لأنها العنصر الأسمى الذي عليه أن يجعل العالم أكثر حضارة وثقافة». ويتجنب ترامب نسبياً إثارة النزعة الدينية على عكس جورج بوش الابن، وقبله ريغان، اللذين تحدثا باستمرار عن «المهمة الإلهية» المنوطة بـ«الشعب الأمريكي» وعن «الحروب المقدسة» للاقتراب من معركة هرمجدون الفاصلة. هذه كلها أسوأ ظواهر التلاعب بالشعوب وتحويلها إلى مطية لتحقيق أهداف استعمارية..
mahdidakhlala@gmail.com

طباعة

التصنيفات: زوايا وأعمدة

Comments are closed