آخر تحديث: 2020-02-27 14:49:30
شريط الأخبار

عصرُ المنظّمات الإعلامية

التصنيفات: رؤى عربية

تنتهي الهشاشة بالوعي إلى السقوط في النقيض، لذلك سنتحدّث من منظور جدل الصّراع التّاريخي بشيء يجب أن نمنحه أهمية قصوى ونحن نفكّك صرعة الوعي في سياق هذا الجدل: ذاكرة الوعي، مسألة أساسية، لأنّ الإحباط عادة يقوّض هذه الذّاكرة ويجعل الأحرار عبيداً بامتياز. وتبدو هنا أيضا صيرورة الأشياء مضلّلة للوعي، وسيتمّ إحكام الطوق على الوعي بأشكال من التحكم يلعب فيها الإعلام دوراً أساسياً في إعادة إنتاج الوعي بشروط مزرية ممنهجة.
إنّ الاستيلاء على وسائل الإنتاج – كما تحدّث عنه ماركس وهو يعالج معضلة القيمة المضافة ومصير العدالة الاجتماعية في نمط الإنتاج الرأسمالي – يعد قضية مركزية في تلك المقاربة التي عاش عليها اليسار ردحاً من الزّمن، لكن المشكلة هي أن وضع اليد على وسائل إنتاج المعرفة هو الوسيلة التي يتمّ بها، ليس احتكار وسائل الإنتاج برمّتها بل المساهمة في خلق القابلية لإنتاج موقف الإمبريالية نفسها، لأنّ قسماً من اليسار استهان بدور البنية الفوقية وعدها ثانوية مقارنة بالبنية التحتية لكونها متأثّرة بها وغير مؤثّرة فيها، وهو خطأ تاريخي في تقدير ديالكتيك التأثير والتّأثّر، وعدم تقدير البنية الفوقية المعنية أولويّاً بتوجيه الوعي في عملية التّغيير.
تعتمد وسائل الإعلام – التي ترعرعت لتؤدّي دور «المقاولة» بالمعنى الرأسمالي نفسه، والمعنية بإنتاج القابلية للاندماج في السّوق – الشكل المُتاح للحرّية والإقناع المقنّع الذي يستند إلى لعبة البرمجة، أجل، تعتمد المنظمات الإعلامية على جيش احتياطي من العاطلين تماماً كما هو واقع الشركات الرأسمالية، الجيوش التي تتحوّل إلى نقيض حيوي للإطاحة بالحقيقة عبر أساليب المحق الممنهج للوعي وتدجين الرأي العام.
نتحدّث إذاً عن منظّمات إعلامية تلعب أدواراً تنزلق بالوظيفة الإعلامية من انتزاع الخبر وعرضه إلى صناعة الأخبار، أي بتعبير أوضح تنتقل من وظيفة اكتشاف الخبر إلى إنتاجه. تتزامن هذه الظاهرة مع ظاهرة تعدد المجتمعات، ظاهرة تمكّن من بناء سلطة داخل المجتمع من خلال إنتاج مجتمع مدني خاصّ.
ولأنّ دور الإعلام أصبح يتجاوز وظيفة الإخبار فقد أصبح يشكّل موضوع أمن قومي، ولأنّ الدورة المالية ضعيفة في بلدان كثيرة فهذا يعرّضها إلى خطر اختراق الشركات العابرة للحدود، وهي شركات تحتفظ بقسم خاص بالعلاقات العامّة، وهو ما يجعل المجتمعات مخترقة عبر هذه الوسائط، ويتحوّل قطاع الإعلام في الدول الهشّة إلى قطاع لتصريف معارك النّفوذ.
تخضع المنظّمات الإعلامية ولاسيما ما يسمّى «صحافة مستقلة» في حالات كثيرة مرصودة إلى وسيلة اختراق استخباراتي إقليمي ودولي غايته إحكام السيطرة على الوعي وإعادة تأهيل إنتاج الخبر لتساهم في إعادة إنتاج الموقف، وليس هدف هذه المنظمات الإعلامية مراقبة الوعي بل إنتاجه وفق معايير محددة.
لا يقدم الخبر نفسه كمعلومة بسيطة بل كمسلسل أو متتالية محوطة بتأويل وصور واستدراجات وإيحاءات، لم يعد دور الإعلام هو إخبار الرأي العام بل إشراكه عبر تقنيات التّلقّي في تحريف الخبر، وهذه التقنية لا تقف عند تحريف الخبر بتقنيات التأويل وأنماط الإرسال بل تعتمد الميول العميقة للوعي عبر تقنية الاستدراج ليصبح وعي المتلقّي جزءاً من عملية التّزييف وليس ضحية فحسب.
في عصر المنظمة الإعلامية لم يعد الخبر مقدّساً والتحليل حرّاً، بل أصبح الزّيف يتحكّم في عملية ولادة الخبر، خبر يستدعي تأويلاً خاصّاً ويفرض مساراً في التأويل. وقد بات واضحاً أنّ هناك ثقباً كبيراً في ذاكرة الوعي إذ إنّها تعتمد وسائل في التحرر من داخل تقنية مصمّمة لاحتواء الوعي، هذا ما يفسّر لنا كيف اختلطت الأوراق وأصبحنا نجد تقارباً في الرؤية والمصلحة بين نقائض من التوجهات: منظمات سلفية تتحدث بمعجم حداثي وأشكال من اليسار تصطفّ بروباغانديّاً وحتى في الرؤية مع السّلفية انطلاقاً من قاعدة بيانات وخطاب إعلامي مشترك، فالإمبريالية تطوّر أساليبها في السيطرة بينما تظل أطياف الفعل الاجتماعي جامدة على الأنماط القديمة ومخترقة من داخل صناعة الخبر وإنتاج الوعي، فكأنّ الموقف النقيض سيقوم انطلاقاً من داخل عملية إعادة إنتاج الوعي والقابلية للهيمنة، وهذا هو الشكل الأخطر من «الفوضى الخلاّقة» أي حينما تصبح وظيفة إنتاج الخبر جزءاً من خلق بيئة يتصالح فيها النقيض، ليس لمصلحة تركيب خلاّق, بل لمصلحة تمييع جدل التركيب والتّطوّر.
انتصرت المنظّمات الإعلامية في معركة احتواء الوعي، وخلق بيئة متصالحة مع هذا الفنّ الجديد الذي يربط بين المهنية والمهارة الأداتية في صناعة الخبر، وذلك من خلال تكريس منطق قطاعي للحقيقة الإعلامية: كيف يجب أن تخرق الجدار الثقافي والأخلاقي والعلمي للوعي.. الحقيقة كما يجب أن ينظر لها المهني.. وكيف يجب أن يقدمّها لمتلقّ يجب عليه أن يميّز بين الحقيقة الواحدة من حيث طبيعة إنتاجها لا من حيث ماهيتها ويمنح «شهادة زور» لصناعة الخبر، أي إيجاد القابلية لتقبّل الكذب الإعلامي على أنّه حقيقة من باب أنّ «أصدق الشّعر أكذبه».
لم تعد تقنية الإعلام تستهدف وسائل التقاط وضبط الخبر، بل باتت عملية تواصلية بامتياز تستهدف وعي المتلقي، أي باتت طرفاً في تشكيل قناعاته، وهي لهذا الغرض أصبحت جزءاً من جهاز أيديولوجي للاستقطاب، وجزءاً من حسابات سياسية، وسيلة هيمنة لا وسيلة إخبار، وفي هذا السياق، قد تصبح العملية الإعلامية جزءاً من إخفاء الخبر لا إظهاره، لأنّ الغاية بالنسبة للمنظمات الإعلامية هي كيفية تلقّي المعنى، وهنا يصبح دورها التحكم في المسار الطبيعي للخبر، وفي أغلب الأوقات تقتضي مهمّتها اعتراض الخبر البدهي بتقنيات إعادة إنتاجه بما يخدم وظيفة السيطرة على الوعي.

*كاتب من المغرب

طباعة

التصنيفات: رؤى عربية

Comments are closed