آخر تحديث: 2020-02-27 17:04:30
شريط الأخبار

الحرب الباردة تتحول لنيران تهدد العالم برمته

التصنيفات: رؤى عربية

حين بدأت موجة «الربيع العربي» المزعوم في مطلع عام 2011 كانت الولايات المتحدة تغرد منفردة على الساحة الدولية لما يقرب من عقدين من الزمان, فمع انتهاء الحرب العالمية الثانية في منتصف الأربعينيات من القرن الماضي تشكلت منظومة عالمية جديدة, فدول الحلفاء الذين خاضوا الحرب معاً في مواجهة دول المحور وخرجوا منتصرين قرروا أن يتنافسوا فيما بينهم على زعامة العالم, وبينما كانت إنكلترا وفرنسا قبل بدء الحرب هما اللتان تتزعمان العالم فقد تراجعت أسهمهما كثيراً بعد الحرب وبدأ دور الحليفين الآخرين في البزوغ, فوجدنا صعوداً سريعاً للولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي, وسعى كل منهما إلى مد قوته ونفوذه على الساحة الدولية.
وخلال ذلك تحولت المنافسة إلى صراع سرعان ما انتقل إلى حرب باردة بين هاتين القوتين: الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي, وظلت الحرب الباردة لما يقرب من أربعة عقود كاملة لم تحسم إلا مع مطلع التسعينيات من القرن العشرين, حين حدث الانهيار والتفكك للاتحاد السوفييتي, وبذلك نصبت الولايات المتحدة نفسها «زعيمة» منفردة للعالم, وأصبح العالم ذو القطبين عالماً ذا قطب واحد, يسير منفرداً على الساحة الدولية، يفرض سيطرته وهيمنته على الشعوب إذ يقوم بالبلطجة ويسرق وينهب ثرواتها من دون حسيب أو رقيب أو وجود أحد يقف في مواجهته.
ومع دخولنا العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين قررت الولايات المتحدة تطوير مشروعها الإمبريالي الجديد من أجل مزيد من السيطرة والهيمنة, وإذا كانت الساحة العربية وما حولها هي إحدى ساحات الصراع من أجل الحصول على ثرواتها, خاصة مصادر الطاقة فقد قررت الولايات المتحدة إعادة ترسيم حدود هذه المنطقة, ففي الوقت الذي تم فيه رسم الحدود المصطنعة داخل هذه المنطقة في مطلع القرن العشرين فيما عرف ب«سايكس- بيكو» بين انكلترا وفرنسا, لم تكن الولايات المتحدة حينها من بين القوى العظمى في العالم، لذلك قررت أن تعيد ترسيم الحدود من جديد عبر عملية تقسيم وتفتيت جديدة تصب في مصلحتها.
وبالفعل، بدأت موجة ما يسمى «الربيع العربي» بهدف تقسيم المقسم وتفتيت المفتت, وكانت الاستراتيجية التي اعتمدتها الولايات المتحدة تقول إن عملية التقسيم والتفتيت الجديدة ستعتمد بشكل أساس ليس على الحروب التقليدية والتدخل العسكري المباشر الذي كبد الولايات المتحدة خسائر فادحة في أفغانستان والعراق, بل ستعتمد على الجيل الرابع للحروب, عن طريق إذكاء الفتنة الطائفية والمذهبية والعرقية لكي تنشأ حروب داخل دول المنطقة تنتهي بعمليات انفصالية تقود للتقسيم والتفتيت المستهدف, وبذلك تستطيع الولايات المتحدة فرض مزيد من السيطرة والهيمنة على ثروات المنطقة, وتتمكن من تشديد قبضتها على زعامة العالم.
لكن على الأغلب تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، ف «الربيع» المزعوم المخطط له أمريكياً خرج عن المسار المرسوم, ففي الوقت الذي ظن فيه الأمريكي أن خططه نجحت وأن التنظيمات التكفيرية الإرهابية وعلى رأسها «الإخوان المسلمون» قد تمكنت من سدة الحكم وستقوم بعمليات التقسيم والتفتيت, وجد هذا المسار مقاومة كبيرة أفسدت المشروع بدءاً من مصر حيث تمت الإطاحة بالجماعة الإرهابية بعد عام واحد فقط من حكمها.
وعلى الجانب الآخر، كان التصدي البطولي من جانب الجيش العربي السوري للإرهاب لتقف سورية حجرة عثرة أمام تحقيق أحلام الولايات المتحدة وتمكنت عبر تسع سنوات من الصمود الأسطوري من إفشال المشروع على الأرض العربية السورية, وعبر هذه المعركة الطويلة تغيرت أشياء كثيرة حول العالم, إذ تراجع ووهن دور الولايات المتحدة في الوقت الذي اشتد فيه عود روسيا وعادت من جديد قطبا آخر في مواجهة البلطجة الأمريكية, وفي الوقت نفسه برز دور الصين كمنافس اقتصادي عملاق للولايات المتحدة, وبذلك تحول العالم خلال عقد واحد فقط من عالم ذي قطب أوحد إلى عالم متعدد الأقطاب.
ومع شعور الولايات المتحدة بهزيمة مشروعها في منطقتنا وما حولها والعالم, قررت أن تحول الحرب الباردة إلى حرب ساخنة على عدة جبهات, إذ قامت خلال الأيام القليلة الماضية بإعطاء إشارة البدء للإخواني الإرهابي أردوغان بدخول ليبيا, ومع فشل المشروع في سورية تحاول اشعال النيران في محيط مصر بنقل الإرهابيين من إدلب إلى طرابلس – ليبيا، وبإرسال قوات عسكرية لمساندة طرف ضد طرف آخر بما يضاعف نار الحرب في ليبيا، والدفع بها – في مرحلة لاحقة – إلى مصر.
وفي الوقت ذاته، تقوم بإشعال الفتن والتوترات في محيط سورية كما في لبنان والعراق, ومحاولة دفع إيران إلى حرب مباشرة عبر تهديدات مستمرة تستقبلها القيادة الإيرانية بصبر شديد وحنكة سياسية تفسد على الأمريكي مخططاته, وتكيل له الضربات الموجعة.
وأثناء محاولة الولايات المتحدة تحويل الحرب الباردة إلى حرب ساخنة لم تنس الصين – المارد الاقتصادي – الذي يهدد (عرشها) إذ حاولت إشعال نيران الفتنة عبر ورقة «الإيغور» بزعم أنهم (يتعرضون للاضطهاد، وأن على المسلمين التوجه إلى الصين لمناصرة إخوانهم الإيغور)، وهذا يذكرنا بما حدث في أفغانستان في السبعينيات من القرن العشرين.. اليوم يتم تجديد الورقة نفسها وللأسف هناك من يبتلع الطعم داخل مجتمعاتنا..اللهم بلغت اللهم فاشهد.

*كاتب من مصر

طباعة

التصنيفات: رؤى عربية

Comments are closed