آخر تحديث: 2020-08-06 09:52:17
شريط الأخبار

مصطفى خضر.. شاعراً ومشروعاً

التصنيفات: آفاق,زوايا وأعمدة

طوي العام وطوى معه حياة الشاعر والفيلسوف مصطفى خضر الذي عرفته الثقافة العربية، منذ يفاعته، شاعراً يضاهي الأسماء الشعرية الكبيرة التي كانت تلتقي على صفحات مجلّة الآداب. ولا يعني النشر بمجلّة (الآداب) قيمة في حدّ ذاته، بل القيمة كامنة في النصّ المنشور، وميزة تلك المجلّة أنّها كانت تقدّر النصوص الثمينة بغضّ النظر عن الشهرة التي يمكن أن تكون مخترمة بمقادير متفاوتة من عوامل (غير نصّية) ذات طابع سياسي، أو إقليمي، أو مناطقي، ودون ذلك من عوامل غير نظيفة أو ملوّثة، اعتادت الحركة الثقافية العربية على اعتمادها دعامات انتهازية، كوّنت أسماء شتى, بدت في حينها أسماء كبرى، انتهت بانتهاء عوامل تورّمها، وتضخّمها المرتهن لأوضاع ظرفية ملوّثة.
لا يعني ما سلف أنّ الشاعر الراحل قد افتقر إلى الشهرة، لكنّه تعامل مع عواملها المبذولة بعفّة استثنائية نادرة، والشاعر لم يكن شاعراً مقلّاً، فمجموعاته الشعرية موجودة، ومتاحة في الساحتين الثقافية والأكاديمية، وقد وُسمت قصائده بأنّها قصائد صادرة عن وعي، وثقافة عالية، وذهن متوقّد، أكثر ممّا هي صادرة عن تجربة شعورية عارمة، تعصف بالوعي وتذروه أشتاتاً من الصور والأنساق. ومصطفى المثقف الكبير، المثقل بوعي فريد، وتجربة ثقافية مديدة، لم يكن في منأى عن مثل هذه الأقاويل التي لم يكن يعيرها أدنى اهتمام، بل كان يؤكّد أنه صاحب مشروع شعري، لا يمكن أن يتنازل عن متابعته على وفق الذروة الفنية والفكرية التي بلغتها تجربته الشعرية، حتى لو اقتصر الانخراط في المشروع الشعري عليه وحده.
يعرف أصدقاء الراحل ومتابعوه في حمص وسورية والمنطقة العربية أنه كان في طليعة المنخرطين في التجربة الشعرية العربية الحديثة، وأنّه بدأ كبيراً، ومارس حياته مثقّفاً معروفاً ينتمي إلى القلّة التي تصدّرت الحركة الثقافية العربية منذ أواخر خمسينيات القرن المنصرم وستينياته، وأمضى حياته أستاذاً للفلسفة والتربية، وكان نعمَ الأستاذ ونعمَ المربّي على مختلف الصعد. تمثّلت تجربته الشعرية في بناء قبّة شعريّة متفرّدة، لا تشبه سوى ذاتها، وفي الشعر تتجاور القبب وتتراصف، وتسمق كل واحدة بذاتها، وميزة القبّة أنها لا تنبني فوق قبّة أخرى، حيث لا يستطيع بعضها أن يعلو بعضاً، حسب تعبير أدونيس. رحل أبو ميلاد، وترك لنا نصوصاً (شعرية وفكرية ونقدية) قادرة بذاتها على تجاوز تخوم الزمان والمكان، «فتنفجر المشيمة بالسواحل».. مخلّفةً «عائلة من اليرقات..» فوق قمم سرّية زرقاء زرقاء يسمو إليها «جبل يذهّبه قفير..».

طباعة

التصنيفات: آفاق,زوايا وأعمدة

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي


Comments are closed