آخر تحديث: 2020-01-23 17:23:29
شريط الأخبار

إدارة المُغالطة.. بين المُغالطة الخبيثة والمُغالطة الحميدة

التصنيفات: رؤى عربية

أرى لزاماً أن نحدد معنى المُغالطة من خلال وظيفتها، والتعريف سيكون أكثر وضوحاً إذا اعتمدنا النظير، فالمغالطة حالة بكتيرية في جسم التخاطب الطبيعي والصّناعي، العام والخاص، وكما أنّ هناك بكتيريا ضارة هناك بكتيريا نافعة وعلينا في التخاطب المنطقي أن نحذر من تلك الأنواع. وسأتحدّث هنا عن المغالطة الحميدة مقابل المغالطة الخبيثة، وبما أنّ التخاطب لا يعدم وجود مغالطة من الصنفين فإنّ وجود المغالطة الخبيثة يفرض مضادات وبكتيريا حميدة، سيتساءل المرء ما معنى أن تكون إحدى المغالطتين خبيثة والأخرى حميدة؟
التصنيف هنا ناظر في وظيفة كليهما في سنن الكلام ومقاصد الخطاب، فمقتضى الكائن الخطّاء أن تتجلّى طبائعه في الكلام، ففي حقله – حقل الكلام- تشتبك المعاني وتتشكّل الحقيقة، هذه الأخيرة تحسم بين أدوات تدبير المعنى في نوبات المحاججة المنطوى عليه في سائر التخاطبات بوسائل المغالطة بصنفيها، إنّ الخطاب المغالط إذا واجه خطاباً غير مسلح بنقيض المغالطة فإنه حتماً غالب، غير أنّ نقيض المغالطة ليس سوى مغالطة حميدة تتشكل في جسم التخاطبات بمنزلة الواقي من آثارها، فلا تنهزم مغالطة إلاّ بنظيرها وليس بعدمها.
وتختلف المغالطة الحميدة عن الخبيثة في وظيفتها من حيث هي موجّهة لدحض وتفكيك ورصد المغالطة الخبيثة التي تشكلّ مرض الخطاب اليومي، وعلى المنطق أن ينتج من المغالطات الحميدة ما يكفي للقضاء على كل أنواع وأشكال المغالطات المتداولة في الخطاب.
إنّ التخاطب لا يهدف فقط إلى إنتاج المعنى بل هو آليات من آليات إنتاج النسق، وأحياناً يتمّ ذلك على حساب المعنى والحقيقة، وسيظهر هذا العُوار بفعل التراكم والحضور المزمن للمغالطة، لأنّها تعلن نفسها حامية النّسق ومستقوية به.
كل نسق ينتج قدراً هائلاً من مغالطاته، وهي مغالطات تفقد أحياناً مرونتها وقدرتها على الإقناع فتصبح عارية فتسبب موت الخطاب، لكنها تقاوم سيرورة المعنى ويهلكها التّاريخ.
يعتمد فعل البرمجة على قوة المغالطة وبها يستمر وبسببها يتم تقويض برامج التفكير، إنّ تاريخ الأفكار مدين لهذه البرمجة حيث تعد القطيعة اقتلاعاً من مسار إعادة تشكيل المعنى، إذ يعد حدثاً تاريخياً بينما هو خروج عن مقتضى إعادة إنتاج المعنى، فالقطيعة تؤسس لبدايات جديدة خارج سلطة الأركيولوجيا (علم الإنسان الذي يركز على المجتمعات والثقافات البشرية الماضية وليس الحاضرة) فهي غير آبهة بالبدايات، بالتأسيس ومغالطاته، بل تنطلق في نوبة جديدة من التأسيس ونوبة جديدة من إنتاج المغالطة.
لكي يتم تقويض برنامج لا بدّ من تقويض مناعته، فالمغالطة هي وسيلة دفاع وهجوم، كل خطاب يشعر بالأمان ما لم تقف على طبيعة المغالطات التي يستعملها طلباً للتمكين والبقاء، لكن تتراجع سلطة الخطاب بقدر تراجع مناعته، حين تصبح مغالطاته/شبهاته أقل جاذبية وقدرة على الإقناع، حين تصبح مغالطاته قاتلة، إنها لحظة انتحار الخطاب.
ينتج الخطاب بيئة وشروطاً للتخاطب بمنزلة آداب التخاطب، وهي نفسها لا تخلو من أدوات المغالطة، فالمغالطة لحظة انكشافها تتمترس بمغالطات آداب التخاطب، وذلك بافتعال الكثير من أساليب الهروب بحجّة تحويل فعل تقويض المغالطة إلى عدوان، وغياب اللياقة، ومحدودية البرنامج الزمنية، وتأجيل الكلام، واستعمال سلاح احترام الرأي في لحظة الإجهاز على المغالطة، وظهور الغاغة (الجموع المختلطة – بمعنى الغوغاء) الذين يشوشون على المتخاطبين.. وغير ذلك من أساليب حماية ظهر المغالطة في نوبة الحجاج.
يحضر كل هذا في كل أشكال التخاطب السياسي والإعلامي والديني، وبات من الضروري مَعْيرة التقدم والتخلف بمقدار إدارة المغالطة في التخاطب ولاسيما في النّقاش العمومي، حيث تبدو الهشاشة في الخطاب الذي قد ينحدر إلى ما تحت خطّ الفقر، حيث تُقاس جودة الخطاب وهشاشته بقوة تدبير المغالطة ومدى قدرتها على تحقيق الإشباع والإقناع، والتصنيف هنا ليس موصولاً بمعايير التقدم والتخلف الاقتصادي، بل إنّها حالة العالم برمته حيث باتت للخطاب وظيفة تتجاوز كونه حاملاً للمعنى بل أصبح وسيلة لإعادة توزيع ندرة المعنى منذ لم يعد الكائن معنيّاً بالسؤال الأنطولوجي (الوجودي) وعوّض هذا الانحدار بتمثّلات إبستيمولوجية (فلسفيّة) أي إعادة توزيع المعنى بأساليب اقتصاد الفقر.
ليس للمغالطة دور فقط في منطق الكلام، بل هي وظيفة تنطلق من الكلام وتبلغ الواقع وتؤثر في مؤسساته وسياساته وتنتج الهشاشة وتدمر النسيج الجماعي وتصيب المجتمع في منسوب آمل الحياة وتجلب التخلف بكل مستوياته، فغاية المغالطة الخبيثة هي الإقناع بما يخالف منطق الأشياء، بتعبير آخر هي وسيلة لتعبيد الطريق أمام التّفاهة، لا شيء يُلزم المغالطة بأي شكل من المحاسبة بعد أن تمرّ، لأنّها تنتهك تاريخها نفسه، لذا فإن وظيفة المغالطة الحميدة هي ألا تسمح للمغالطة الخبيثة بأن تمرّ، فإذا مرّت أصبح استئصالها يفرض جهداً مضاعفاً.
يكمن أحد أهم عناصر قوة المثقف – المثقف الحقيقي والمشتبك – في مدى قدرته على تحويل الظاهرات الكلامية إلى فرصة لممارسة التشريح والإمساك بجيوب المغالطة الخبيثة التي يدير بها الخطاب عالم المعرفة هروباً من استحقاقات الحقيقة أو التفافاً واستعمالاً لها في مقاصد غير مبرمجة في أهدافها التأسيسية، فدور المثقف – إن كان كذلك – يكمن في تصفية الحقيقة من الأملاح الزائدة لخطاب المُغالطة، لجعل الحياة ممكنة، وتمكين البيئة المعرفية من قدر ممكن من النّظافة، فالتلوّث المعرفي هو التهديد الأكبر في عالمنا أكثر حتى من التلوث البيئي، ولينظر الإنسان إلى ذاته وما تحمل من مُغالطات، ليتصالح مع ذاته، ولا يكون مجرد كائن هارب من مستحقّات المعنى، إنّ العالم ينتحر داخل مُغالطاته.. وحين يتنكّر الكائن لمسؤوليته الأنطولوجية لن يجد أمامه من أفق سوى التّفاهة في جدلها الكوني والخصوصي.

*كاتب من المغرب

طباعة

التصنيفات: رؤى عربية

Comments are closed