آخر تحديث: 2020-08-05 01:30:26
شريط الأخبار

اضطراب ما بعد الرض «PTSD»

التصنيفات: رؤى عربية

هو اضطراب نفسي يصيب الأشخاص الذين يتعرضون لحوادث مرعبة، سواءً كانوا طرفاً في هذه الحوادث أو شهوداً عليها. هذا الاضطراب معروف منذ زمن طويل وقد تناوله الطب النفسي بالكثير من الدراسات والأبحاث، كما شكّل مادة غنية للسينما العالمية خاصة إبان الحرب الفيتنامية، حيث صورت الأفلام تأثير الحرب على الجنود العائدين من فيتنام، ولعل فلم «صائد الغزلان» الذي نال خمس جوائز أوسكار عام 1978، واحد من أشهر هذه الأفلام.
تراجع الاهتمام بهذا الاضطراب في العقد الأخير من القرن العشرين، لكنه عاد إلى الواجهة بعد تفجيرات أيلول 2001، ووصل مداه مع الحرب على العراق، وقد اشتهر فيلم «القناص الأميركي» الذي أنتج عام 2014 عن قصة قناص أميركي عمل في العراق، وعاد إلى بلاده ليساعد الجنود الذين يعانون من «اضطراب ما بعد الرض» نتيجة إصابتهم في تلك الحرب، لكن واحداً من أولئك الجنود يقوم بقتله.
لقد أصبح هذا الاضطراب حقيقة مقبولة علمياً واجتماعياً، ويُعتبر المصاب بالأشكال الشديدة منه في حالة عجز كلي ودائم. لكن أحداً لم يحاول أن يبحث عن إمكانية تعرض الدول والأنظمة لهذا الاضطراب بعد تعرضها لأزمات تهدد كيانها. أزعم في هذا المقال أن الرأسمالية العالمية عانت من «اضطراب ما بعد الرض» نتيجة تعرضها لأزمتين؛ الأولى تفجيرات نيويورك 2001، والثاني الانهيار المالي عام 2008. ولأدعم هذه الفكرة سوف أستعرض الأعراض التي يُشخّص الأطباء المرض على أساسها، وأدرس مدى انطباقها على سلوكيات الدول الرأسمالية.
– التجنب والانعزال؛ ويتجلى بالابتعاد عن الآخرين نتيجة القلق والشك بالآخرين، وترجمة هذه الحالة بردات فعل غاضبة وعدوانية. نستطيع تتبع هذا السلوك في المجتمعات الرأسمالية، من خلال تنامي التيارات اليمينية والانعزالية، مثل القوميين البيض، الأميركانية Americanism، وحليقي الرؤوس، الموقف من اللاجئين سواء بتركهم للموت في البحار أو تحويل معاداتهم إلى وسيلة لتحقيق النجاحات السياسية، التوجه إلى مغادرة التجمعات الإقليمية كما حدث في خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (البريكست) ومحاولات انفصال اسكتلندا، وبرشلونة، عن الدول الأم. يترافق ذلك برد الفعل الشديد العدواني تجاه وهم التهديدات، كما شهدنا في القصف الوحشي الأميركي في العراق، والأوروبي في ليبيا، وما يحدث حتى اليوم في اليمن.
– الاستعادة؛ حيث يعاني المصاب من هلوسات يقوم خلالها باستعادة الأحداث التي أدت إلى إصابته بالاضطراب، وخوض المشاعر والآلام نفسها. ما زالت الرأسمالية تتصرف تجاه العالم وكأن ما حدث عامي 2001 و2008 ما زال مستمراً في الحدوث. فلا يكاد يمر أسبوع دون إنذار بحدوث عمليات إرهابية في إحدى الدول الرأسمالية، وفي حال حدوث أي عمل إرهابي، تكون ردود الفعل مبالغ فيها داخلياً وخارجياً. في الوقت نفسه لا تكاد تخلو دورية اقتصادية صادرة في الدول الرأسمالية من مقال أو بحث يتناول الأزمة المالية أو يبني تحليلاته واستنتاجاته عليها. أما في السينما العالمية فتشكل استعادة الأحداث مادة للعديد من الأفلام التي تصور احتلال البيت الأبيض، أو احتلال لندن، إضافة إلى الأفلام التي تستعيد الأزمة المالية بسيناريوهات مختلفة.
– تجنب كل ما يمكن أن يذكر المصاب بالحادث؛ يستطيع المراقب ملاحظة التراجع الواضح لدور الأسواق المالية، التي أصبحت أكثر انضباطاً بفعل مجموعة من القوانين والضوابط التي وضعتها الحكومات المختلفة في محاولة لتجنب أي انهيارات مستقبلية، وظهور تيار واضح يدعو إلى استعادة الشكل التقليدي للرأسمالية القائم على إنتاج البضائع وبيعها.
– الأرق وغياب الحافز؛ تعاني الاقتصاديات الرأسمالية من تراجع حاد في نسب النمو التي لا تتجاوز 1.5%، في حين تتجاوز هذه النسب في الاقتصاديات الصاعدة والنامية الـ5%. يعود هذا التراجع إلى تباطؤ الاستثمارات داخل الاقتصادات الرأسمالية بسبب القلق من تكرار الأزمة المالية، وغياب الثقة بالسياسات المالية والاقتصادية المتبعة. يضاف إلى ما سبق تراجع المشاريع المتوسطة والصغيرة بسبب تشدد السياسات المصرفية.
– التحفز والغضب؛ حيث يشعر المصاب أنه تحت تهديد دائم، مما يستدعي بقاءه في حالة تحفز، مع ردات فعل سريعة غاضبة وعدوانية وغير محسوبة العواقب. لعل هذا العرض الأكثر ظهوراً في سلوكيات الدول الرأسمالية منذ مطلع هذه الألفية. نستطيع تتبعه في حجم الجريمة التي ارتكبتها قوات «ناتو» في العراق، وسورية وليبيا واليمن، والتحرش بإيران في منطقة الخليج، والحرب التجارية والعقوبات على الصين وروسيا وإيران وفنزويلا، بل وحتى احتمال فرض الحكومة الأميركية عقوبات على فرنسا، وبناء جدران الفصل العنصري في فلسطين المحتلة وعلى الحدود مع المكسيك، وعلى الحدود بين الدول الأوروبية لمنع مرور اللاجئين. رد الفعل المتسرع وغير المحسوب أدى إلى تفاقم الأزمات العالمية التي وصلت حد الفوضى التي اجتاحت معظم دول العالم بما فيها الدول الرأسمالية. هذه الفوضى شملت الاقتصاد الذي يعيش حرباً تجارية مستعرة، والأمن حيث تجتاح العمليات الإرهابية معظم دول العالم، يقوم بها مجندون سابقون في التنظيمات التي شكلتها الدول الرأسمالية نفسها.
– بعد التشخيص، تبدأ رحلة العلاج التي تكون، عادة، طويلة ومتباينة النتائج، وتشير الدراسات إلى أن حالات اضطراب ما بعد الرض، الشديدة والمزمنة، بين البشر تميل إلى تطوير سلوك انسحابي، وتلجأ إلى إدمان الكحول والمخدرات، وأن نسبة عالية من هؤلاء ينتهون بالانتحار أو في السجون بسب ارتكاب جرائم مروعة، بما فيها جرائم قتل أفراد العائلة والجيران. فهل تتجه الرأسمالية نحو تدمير ذاتها، كما تنبأ كارل ماركس؟
كل ما يدور في عالم اليوم يشير إلى أن الدول الرأسمالية التاريخية (الغربية) تسير في منحى تنازلي، وأنها تفشل في تحقيق أي إنجاز سواء كان سياسياً أو عسكرياً أو اقتصادياً. على الجانب المقابل تنمو رأسمالية صاعدة تبدو أقل توحشاً، مع ميل أقل للتحول نحو الإمبريالية. لكن هذه الرأسمالية ما زالت تتلمس خطواتها الأولى، وقد تعلمت الشعوب من التاريخ أن الرأسمالية التي جاءت على وقع منطق ديكارت وتنوير كانط وعدالة جون ستيوارت ميل الاجتماعية، ما لبثت أن كشّرت عن أنيابها لتتحول إلى وحش ضارٍ ارتكب أبشع الجرام. فكل رأسمالية ستسير على الخطى نفسها طال الزمن أم قَصُر.
تبقى العدالة غائبة عن هذا العالم ما دام الكادحون منصاعين لناهبيهم، وما دامت قوى اليسار متراجعة أو ملتحقة بالنظام الرأسمالي نفسه. الأمل في العدالة اليوم يأتي من الكادحين الذين انتصروا في سورية وفنزويلا وكوبا، ويناضلون في اليمن وبوليفيا والبرازيل والارجنتين، أن يتحد هؤلاء تحت لواء أممية الشعوب الكادحة، وأن يناضلوا معا سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، ليكونوا أمل البشرية جمعاء وليس سكان دولهم فقط.

*كاتب من الأردن

طباعة

التصنيفات: رؤى عربية

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي


Comments are closed