آخر تحديث: 2020-02-28 02:34:31
شريط الأخبار

عـازف الهـارب العالمي بـــولـداتشيف فــــي دمشــق أعمال من زمن نهضة الموسيقا القومية الروســـية

التصنيفات: غير مصنف

لم تتميز الموسيقا الروسية إلا منتصف القرن التاسع عشر، قبل ذلك عدّت موسيقاها امتداداً للموسيقا الأوروبية، وشهدت الحقبة السابعة وبعدها نهضة كبيرة في الموسيقا الروسية خلال ازدهار شامل للأدب والفنون، ففي الزمن الذي ظهر فيه بوشكين ومن بعده تولستوي وتشيخوف ودوستويفسكي، ظهر في الموسيقا الروسية جيل من المؤلفين الموهوبين وفي مقدمتهم غلينكا (1804- 1857) وأوصلوا موسيقا بلادهم للعالم أول مرة.

من هنا، ومن المؤلف غلينكا ذاته ومقطوعته «طائر القبرة» بدأ ضيف دار الأسد للثقافة والفنون- أوبرا دمشق عازف آلة الهارب العالمي الروسي ألكسندر بولداتشيف أمسيته قبل أيام وجيزة على مسرح الدراما، ويعدّ غلينكا من الخمسة الكبار الذين اكتشفوا مدى الثراء والطاقات الفنية الكامنة في التراث الموسيقي الشعبي لروسيا والاتحاد السوفييتي.
أما آلة الهارب فهي قديمة قدم التاريخ وظهرت بشكلها القديم في سورية منذ القرن التاسع قبل الميلاد وحسب النقوش على الرقم الطينية بدت صورتها كعمود داعم في شكلها المثلثي، ونقلها الإغريقيون إذ ظهرت رسومها على أوانيهم في القرن الرابع ق.م. ومن اليونان عمّت الهارب أوروبا ولاسيما في بلاد ساكسونيا وإيرلندا…، تحتوى الهارب الآن ستة وأربعين وتراً وتقارب البيانو في مساحتها الصوتية.
حقيقة إنها لمغامرة من هذا الموسيقي الكبير لإحياء حفلة كهذه وبرنامج كهذا وبآلة فردية «الهارب» وهي غير معروفة عند عموم الناس ببلدنا إذ استخدمت آلة أساسية عندنا مرة أو مرتين منها عام 2009 ضمن فعاليات موسيقا على الطريق في إحدى حدائق دمشق، ولكنه كسب الرهان إذ غص المسرح بالحضور ليسمع موسيقا روسية عريقة ضمن برنامج شائق ينتمي جلّ مضمونه إلى النهضة القومية للموسيقا الروسية، واستطاع إيصال موسيقا لمؤلفين كبار من بلاده بآلة منفردة إلى الجمهور الدمشقي بحنكة عازف ماهر وبتكنيك عال برغم أن أغلب الأعمال التي قدمها بآلة واحدة (الهارب) هي في الأصل مكتوبة للأوركسترا بكامل تشكيلتها.
اختار بولداتشيف برنامجه بعناية فائقة وكأنه يريد أن يظهر موسيقا بلاده ويبرهن أن المؤلفين الروس يتفوقون على العالم بأسره بموسيقاهم، فهاهو يعزف «بيتروشكا» لسترافينسكي وهي عنوان لعمل باليه عام 1911، وموسيقاه صعبة ومدهشة برنينها الغريب البعيد عن الرومانسية تماماً، في هذا العمل تخلص سترافينسكي من التأثيرات التي ظهرت في أعماله السابقة وتبلور أسلوبه الذاتي إذ يتجنب الاندماج الناعم للألوان الأوركسترالية ويبرز الإيقاع أكثر توتراً وحدّة، بحكم استخدامه لتعدد الايقاع، والمدهش أكثر في بيتروشكا هو ازدواج المقامات والهارمونيات المركبة، تالياً واكتشف المؤلف في عمله هذا رنيناً استوحاه فجعله نواة لموسيقاه، وفي بيتروشكا بالذات التي هي عنوان لمقطع من الباليه بالاسم ذاته يعرض تحويراً هارمونياً وإيقاعياً وتلوينياً جوهرياً، ليتناسق مع الأسلوب الواقعي وبراعة اللمسات في التعبير عن الحركة النفسية، وعموماً باليه بيتروشكا مرحلة أكثر تقدماً في تطور التعبير الموسيقي القومي في القرن العشرين.
وقدم بولداتشيف لشوستاكوفيتش «فالس رقم2» ولبروكوفييف «رقصة الفرسان من باليه روميو وجولييت»، ويعدّ هذان المؤلفان من أساطين الموسيقيين السوفييت، ويمثلان الجانب التلقائي العميق للقومية غير المتعمدة، النابعة من ارتباط عميق بالبيئة التي شكلتهما نفسياً وفنياً.
وبروكفييف الذي عاش بين عامي (1891- 1953) الذي عزف له رقصة الفرسان من باليه روميو وجوليت، في مسيرته الموسيقية ثار على التقاليد الموروثة فمزج بين الجدية والطرافة وعند عودته إلى وطنه في بداية الثلاثينيات في القرن الماضي اندمج بشكل كلي في حياة المجتمع وانعكس ذلك على أسلوبه ليصبح أكثر عذوبة وغنائية ونجد هذا في باليه روميو وجوليت.
أما شوستاكوفيتش (1906- 1975) الذي قدم له العازف «فالس رقم2» فيعدّ من أعظم المؤلفين السوفييت ووثيق الارتباط ببلاده وشعبه روحياً فقد نشأ في ظل الواقعية الاشتراكية، وتحمل موسيقاه الصفات النفسية العميقة التي تعكس الطبيعة الروسية بعاطفيتها، وربما كلنا يتذكر سيمفونيته لينينغراد التي عدّت من أهم الوثائق السيمفونية المعاصرة.
وعزف أيضاً فالس الزهور من كسارة البندق لتشايكوفسكي وتصنف من بين أجمل ما كتب في قالب الفالس، فالعمل ينضح بالحيوية ولحنه متدفق تؤديه عادة جميع آلات الاوركسترا.
كما قدم رائعة كورساكوف «شهرزاد» العمل الأوركسترالي يدمج خصائص مشتركة بين أعمال كورساكوف، الإبهار والتلوّن، ويبين اهتمام المؤلف بالشرق لأنه يعتمد على حكايات ألف ليلة وليلة، وتعدّ هذه المقطوعة من أشهر أعمال كورساكوف وقد اعتمدها البعض كعمل باليه ليحاكي قصة شهرزاد.
عموماً، جلّ من اختارهم الضيف من المؤلفين الموسيقيين هم من اقتحموا معاقل الموسيقا الأوروبية يوماً وسمعت أوروبا نبرات جديدة من الموسيقا الروسية القومية أدهشتها بطرافة مقاماتها وبتكويناتها الإيقاعية الأحادية (العرجاء) وبلغتها الهارمونية الخشنة ونسيجها البوليفوني غير المألوف وبصيغها الموسيقية المتحررة.

طباعة

التصنيفات: غير مصنف

Comments are closed