آخر تحديث: 2020-09-27 01:03:07

«البترو ـ فيليا»!

التصنيفات: رؤى عربية

هو منتهى الإرهاق واللّغو أن نمضي في هذا التكرار، لقد أصبحت السياسة فنّ الإلتفاف والتأزيم كما غدا تحليلها مسألة اصطفاف وغلبة وسمسرة في سوق المعاني الرّقطاء، لم تعد تجدي قراءة المقروء وإعادة عرض المعروض، ففي الأحداث التي تحكمها نظرية الأواني المستطرقة يصبح تكرار التحليل المُغرض طقساً ماجناً، لمن يقرأ التّاريخ خارج حسابات عبيد المنزل وذهنية الماشطات والقنيان، بل دعني أحدث لك من ذلك مفهوماً اجعله نظارتك التي تقرأ بها حقائق الأحداث، أي بأي منسوب من المسخ تتم قراءة الحدث.. وأمّا المفهوم الذي أقترحه فهو «البترو- فيليا».. هذا الميل المرضي الذي يفوق الحاجة السوية، هذا الولع الكبير بالارتزاق، والعشق الممنوع لعصير النّفط، ممنوع لأنّ أرباب النّفط هم أوّل محتقر لسلالة المستنفطين.
لا يملك «البترو- فيليا» أن يصبر على النضج الطبيعي للحقيقة، فهو مُجنّد للتشويش لا للفهم والمعرفة، ومُطالب بأن يتناول موضوعه بلغة الأحرار والمناضلين، وهنا تصيبك خيبة أمل، فيبدو أنّ المستقبل سيكون نسخة لماض ظننا أنّنا سنتجاوزه، في حين هو يعيد نفسه بغباء فريد.
إنّ النصوص التي نكتبها هي فصل من فصول معركة كبرى تدور مدار الوعي، ليست نصوصاً للإمتاع والمؤانسة، فهي آبية للتصنيف والتوصيف و«الزعبرة» بأحكام القيمة، هي تعبير عن موقف، عن رؤية، عن اختمار تجارب، عن أعماق ممتنعة عن أن تحتوى بأحكام تسطيحية أو مقاصد «نفسانية» بتعبير بعض الحكماء، وهي هنا ترصد ظاهرة شراء الذّمم التي هي أحرى أن تستثير فضول و«حشرية» هواة النقد الذين يخلطون أخماسا بأسداس، و«الأُناسي بالنسناسي» وما أكثرهم في كلّ جيل وفي كل طور وفي كل محنة.. ولنترك الحفاة على طريق الحقيقة والزاحفين على بطونهم على حافة كفاح يقتضي الفرسان لا المقنّعين بالشعار.. ولنقف على ظاهرة النّفط مقابل الحقيقة التي تمثّل جوهر «البترو- فيليا»، وهي ظاهرة تكاد تكون دولية وهي حتما عربية بامتياز. لقد تراجع الإحساس بالحاجة إلى الحقيقة كشرط لاستمرار الوجود والتعايش الجماعي، ودخل النّفط وسكن أعماق الوعي والمعاش، يبدو أنّ ما يحدث اليوم من صراع هو حالة تقيّؤ نفطي يُلهب السّاحات، ويجد فيها قطاع الطرق والانتهازيون فرصة لتحسين أوضاعهم إذ لا طريق لذلك غير بيع الذّمم.
«البترو- فيليا» ظاهرة في الميديا، إذ هيمن النفط على صناعة التواصل، واجتاح الصورة، ولا شيء بات في الإعلام لا ينضح نفطاً. ولعله من الطبيعي أن يجتاح هذا الميل الإعلام مادام ميلاً يحتوي كل أبعاد الحياة المُعاصرة، لكن الطبيعة الإمبريالية للنّفط الذي بات لعنة عربية تحرس التخلف السياسي وتمنح رجعيتنا كل مقالب عقلانية مزيفة لا تلامس البنيات العميقة، وتمنح للمظاهر رونقا ًخادعاً، فالنفط هو اللعنة، وهو المقوم الأساس لأنماط الوجود المعاصرة.
باختصار، نقصد بـ «البترو- فيليا» الدّاء العُضال الذي يجعل المعركة اليوم قائمة في جبهة الإعلام. من يستطيع أن يصمد في وجه هذا الإغراء؟ معارك خفيّة داخل الإمبراطوريات الإعلامية، استثمار في المبدأ والحقيقة والموقف. ويتميز إعلام «البترو- فيليا» بميل منهجي للاستخفاف بكل ما من شأنه معاكسة المخطط السياسي للبؤر النفطية، والإغراق في هجاء المختلف، يكاد ينحصر دور «البترو- فيليا» في صناعة أو مضغ المغالطات نفسها والانخراط في مضمونها في سلك المصطلح الحديث الذي فقد داخل هذه اللعبة القذرة شحنته المعرفية وبات شكلاً تداولياً أجوف يهدف إلى تخدير الجمهور في الحدّ الأدنى من زمنية تمرير المشاريع القاتلة.
ما زال إعلام «البترو- فيليا» يستقطب الفئات الأكثر جوعاً على طريق تأمين الحد الأقصى من الامتيازات، فشراء الذمم وتجدد أجيال «البترو- فيليا» لا حدود له وما زال مستمراً، وطبيعي التركيز على لعبة الصورة والاستثمار في البؤس وسرنمة القطيع لأنّ ميديا «البترو- فيليا» لا تنطوي على مضمون حقيقي سوى التشويش على دورة الوعي لدى المتلقّي، فالتقنية هنا معنية بتعويض غياب المضمون بالصورة وشراء الذمم.. وعليه، لن تتوقف مظاهر إعلام «البترو- فيليا» في غضون السنوات القادمة، ولكنها ستواجه تحدّيات انقلاب الوعي وتآكل ماكينة إعلام يفقد مصداقيته ويقترب من لحظة سقوط آخر أقنعته.
يجري النفط تحت الأرض وفي شرايين الجغرافيا السياسية.. يجرف مثبّتات ومرتكزات العيش المشترك.. يخترق السياسة والثقافة والدين.. لقد أخرجت الأرض بالفعل أثقالها ونفطها وتخلفها، ونتساءل ماذا بقيّ من استعداد أنطولوجي في جوف الكائن للاستجابة لتحدّي تنفيط الوجود واختزال أنواع المرض في «البترو- ميديا» وهو ما يفرض قيام فرع خاص من تحليل وعلاج «البترو- فيليا» باعتبارها علّة انحطاط الأمم.. ولعبتها.

*كاتب من المغرب

طباعة

التصنيفات: رؤى عربية

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي


Comments are closed