آخر تحديث: 2020-08-05 21:56:52
شريط الأخبار

الرموز البصرية في أبواب الدور الدمشقية أنطون مزاوي يوثق جماليات الرموز ومعانيها في أبواب الشام

التصنيفات: ثقافة وفن

خلاصة سنوات طويلة من التأمل والغوص في تفاصيل أبواب الدور الدمشقية، يقدمها الفنان الفوتوغرافي أنطون مزاوي «1964»، في معرضه المقام في صالة «مشوار».. تلك التأملات، لم تكن تنطوي على لقطات جمالية وحسب، بل إنها نبعت من بحث عن ماهية الرموز التي تحملها الأبواب الدمشقية، كما تطلب الأمر عودة إلى الأبحاث التاريخية التي فككت تلك الرموز وأعادتها إلى جذورها السومرية والأكادية، وتلك كانت نقطة مهمة تؤكد الصلة غير المنقطعة مع التاريخ القديم الذي أخذت منه الحضارات اللاحقة وبنت عليه وأضافت من حداثتها فلم تنسفه أو تلغه بل أبقته حاضراً لأنه عملياً جزء من تراث الأمة..
خمس وعشرون صورة للطارقات أو الدقاقات في الأبواب الدمشقية قدمها مزاوي، وكان الأمر بحاجة إلى شرح مفصل عن كل صورة وباب، حرص الفنان على جمعه في كتاب وزع في المعرض كي تكتمل الصورة الجمالية مع الصورة المعرفية، وهنا يمكن أن نتحدث عن سحر معرفي دفع الفنان لإعمال عينه الخبيرة في التقاط المعنى الكامن خلف الشكل الجمالي، فكانت الأهلّة والأسماك والنجوم والصلبان وغيرها الكثير من الرموز التي كانت تحمل مفهوماً ما من كل مرحلة تاريخية لسورية منذ عصور ما قبل الميلاد إلى اليوم، فالباب هنا يمكن عده مدخلاً لفهم طبيعة المجتمع الأسروي داخل الدار، وبما أن الرمز موضوع على الباب أو بوابة العبور للداخل، يمكننا أن نفهم الدلالة المعرفية والجمالية اللتين تكمنان خلف هذا المشروع الذي عمل عليه مزاوي طوال سنوات كما أسلفنا.. لقد اعتدنا تصوير دمشق عبر المشاهد البانورامية ذات العدسة الكبيرة التي تصور المشهد العام، لكننا اليوم نغوص في التفصيل الدقيق للقطة لنبحث عن معنى الرمز في كل «طارقة» بهدف اكتشاف المفتاح المناسب للعبور إلى داخل الدار، وفي هذا الإطار يمكن أن نتحدث عن معنى دلالي للرمز القديم المعتمد في الحضارات القديمة والذي لم يغب لاحقاً في عصور المسيحية والإسلام..
يقول مزاوي: إنه لم يشأ أن يصور دمشق كما درجت العادة عبر التقاط الصور السياحية، فالجماليات أخذته ببعدها الفلسفي والمعرفي وجعلته يبحث البعد الدلالي الذي تحمله، فكيف يمكن أن نفهم وجود الدلالات الآرامية والسومرية والأكادية وغيرها من الحضارات القديمة في الفترات اللاحقة من تاريخ سورية بعد الميلاد؟ ألا ينطوي الأمر على مفهوم حضاري في حياة المجتمع واستمراريته بمنطق التفاعل من دون الإلغاء والانقطاع عن الجذور؟. يقول الفنان: «لقد صورت دمشق بأسلوب يليق بتجلياتها، في بيوتها وخاناتها وأزقتها وأسواقها وحرفها وناسها وكنائسها ومساجدها.. وإن الغاية من عملية كهذه هي توثيق هذا الجزء الذي حفظ بعضاً من التراث اللامادي لهذه المدينة والذي تم على أيدي أهلها وفنانيها وحرفييها»…
لقطة رائعة لإحدى الطارقات على أبواب دمشق، تحمل رموزاً معقدة مملوءة بالتعابير صوّرها الفنان لتثار حولها العديد من الأسئلة عن المعاني والدلالات التي تحملها، فهي تحمل الدائرة رمز الأبدية واللبلاب رمز الوفاء كما تحمل ست دوائر غير مغلقة تعبر في مجموعها عن الشمس، إضافة إلى اثنتي عشرة سمكة قضيبية لها معانيها في التاريخ السوري القديم وفي المسيحية لاحقاً، كما يحضر الصليب حيث تعبر الأسماك عن الأناجيل الأربعة مع الرسل المبشرين.. اللافت أيضاً في هذه الطارقة، هو المثلث المقلوب في أسفلها وفي رأسه قطرة ماء، فالمعروف أن أصول هذا المثلث سومرية ويمثل المرأة والإنجاب أما قطرة الماء فتمثل الإخصاب.. تلك الطارقة حملت جماليات مدهشة للعين من حيث تشكيلها العام، ومن حيث معانيها العميقة كانت تحتاج إلى تأمل كبير ومعرفة في المقاصد التي يحملها كل رمز..
من اللقطات النادرة التي ضمها المعرض أيضاً، صورة لدقاقة تعود إلى العصر المملوكي تتضمن رموزاً أولها الدائرة وهي القاعدة التي ترمز إلى الأبدية واللانهاية في الحضارات القديمة، كما تتضمن ستة أهلّة تفصل بين كل منها قطرة ماء ترمز للإخصاب، وفي الأسفل شريط معدني محمل بمسامير على شكل نجوم ثمانية الشعاع.. يقول الفنان مستنداً إلى كتاب «الرموز» للباحث فيليب سيرينغ حول تفسير النجوم الثمانية الشعاع: «إنها تعبير عن تحكم الفلك البروجي بوجود البشر ومسيرة الأشياء لدى القدماء ويعود ذلك لزمن الكلدانيين وأن صراع الخير والشر في الأرض يتعاقب ويتتابع في الأفلاك والأبراج لديهم وينعكس في قلب الإنسان الذي يمثل خلاصة العالم».
لقطة لطارقة شهيرة تتكرر كثيراً على الأبواب الدمشقية وهي اليد المستندة إلى قاعدة هي الشمس، مع ورقة التين إضافة إلى الصليب وجميعها رموز من الحضارات السورية القديمة تعمقت دلالاتها في العصور المتتابعة وبقيت حاضرة في الثقافة حتى يومنا هذا وفي هذا ما أشرنا إليه حول ميزة التفاعل الحضاري الذي طبع العقل السوري في جميع مراحله حيث لم نشهد نوعاً من البتر والانسلاخ أو النسف لأي مرحلة بل كانت الاستمرارية تجري عبر الإضافات وهي عملية جعلت الرموز تظل حاضرة وتأخذ في كل مرحلة بعداً مختلفاً وجديداً..
تامار شاهينيان من ناحيتها حاولت أن تترك أثراً حديثاً على هذه اللقطات التي تصور الدقاقات القديمة على تزيينها بالتطريز على جوانبها من خلال أشكال ورسومات أو عبارات شعرية تحاكي جماليات اللقطة وتعبر عنها، وقد حملت هذه المساهمة الكثير مما تحدثنا عنه حول تفاعلية الرمز القديم واستمراريته إلى اليوم كحامل للهوية الثقافية..
يسجل للفنان أنطون مزاوي احتفاءه المعرفي والجمالي بهذا التفصيل الدقيق لأبواب دمشق، فهو أول ما ذهب في هذا الاتجاه عندما تناول دقاقات أو طارقات الأبواب الدمشقية فأضاء عليها جمالياً ومعرفياً، يدفعه في كل ذلك الحب وسحر المكان والأهم من ذلك كله هو حفظ الذاكرة وجمالياتها التعبيرية، فدمشق كما يقول: «صهرت وصاغت فكانت رمزاً من رموز التكامل وأحد أشكال الأبدية رغم كل ما طرأ عليها.. تراكمات وتحولات ترابطت في هذا المكان حملت رموزاً ودلالات بصرية هي رغم صغرها وتناثرها إلا أنها مهمة جداً، وجدت في حياة أبناء هذه المدينة عايشوها وعبروا عنها رسماً وحفراً ونقشاً وعمارة في العديد من العناصر المحيطة بهم… دمشق العاصمة الوحيدة في العالم التي لم تنقطع فيها الحياة منذ وجدت».

تصوير- يوسف بدوي:

طباعة

التصنيفات: ثقافة وفن

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي


Comments are closed