آخر تحديث: 2020-01-25 17:30:58
شريط الأخبار

في يوم الثقافة.. الحداثة والتّحديث يثيران الجدل مجدداً

التصنيفات: ثقافة وفن

لايزال مصطلح الحداثة موضوع بحث وجدل وربّما خلاف على تفاصيل قد تبدو صغيرة، لكنها في الحقيقة تفعل فعلتها في الحوارات وورشات العمل والندوات المخصصة لمناقشة مفهوم الحداثة وارتباطها بالتحديث الذي تعتمد عليه، يقول الدكتور عاطف البطرس: لم تخرج الحداثة من العدم بل جاءت من التراكمات التاريخية التي تجلت في فترة ما ولدى شعب محدد من الشعوب أو من منطقة محددة من المناطق وفق ظروف شديدة الخصوصية والخصوبة، فالحضارة والحداثة ليستا وليدتي منطقة واحدة من مناطق العالم بل هما محصلة تلاقح ونتيجة عملية تشاركية تفاعلية سببها انفتاح الغرب على الشرق ومزج ثقافة الشرق بما أنجزه الغرب، والحداثة ليست مجرد انتقال زمني من العصور الوسطى إلى العصور الحديثة، إنّها انفصال وعي يقوم على قطيعة معرفية مع فكر العالم القديم، والجوهر الفلسفي للحداثة يتمثل في مفهوم مركزية الإنسان والمرجعية لما تمثل من استقلال للفرد ونمو الذاتية التي تشكل أساس وعيه، وكذلك النزعة العقلانية التجريبية في مجال المعرفة والتقدم، والحرية في مجال التاريخ والمجتمع، والقطيعة هنا لا تنفي التراكم المعرفي وإنّما تقطع مع أنماط التفكير القديم.

كان هذا مختصراً لورقة العمل التي قدمها البطرس عن مفهوم الحداثة ونشأتها خلال الندوة الفكرية التي أقامتها وزارة الثقافة في مكتبة الأسد الوطنية على مدار يومين متتاليين احتفاءً بيوم الثقافة السورية، وتحت عنوان: «إشكالية العلاقة بين الحداثة والتّحديث»، ناقش خلالها عدد من الأدباء والمفكرين مفهوم الحداثة وعلاقتها وارتباطها بالفن والأدب والعقل والثقافة ودورها في عملية التغيير والنهوض، يقول مالك صقور- رئيس اتّحاد الكتاب العرب: من المفارقات التي يجب ذكرها أنه منذ حوالي نصف قرن يطرح مفهوم الحداثة الذي لم يأت من فراغ وهي كلمة حاسمة لكنها مربوطة بتعاريف قابلة للتغيير، وقد استخدم المصطلح نظيراً للرومانسية لتوحي بالمزاج العام الذي يعتري فنون القرن العشرين، القديم هو الحداثة عند بعض المعاصرين، وهذا يعني أن يكون التأويل من خلال الصراع بين القدماء والمحدثين بمعنى مد جسر بين القديم والحديث، وفي النهاية الحداثة حالة متميزة من الإبداع وهي صفة مقترنة به حتماً والحداثة تعني الحرية والتجديد.
تطورت طرائق التفكير الحداثية بشكل واسع باتجاه التفكير المنطقي والعلمي والتفكير النقدي والتحليلي والتفكير وفق السياق التاريخي بما دعي التاريخانية والمعقولية التاريخية، كما يبين الدكتور هاني الخوري ويضيف: من هنا انطلق عصر التنوير في أوروبا وأدى إلى إعادة فهم العالم وقراءة التاريخ والعلوم، كذلك الأمر في العقل العربي فهناك التفكير التحليلي والتفكير النقدي واصطدامه بالعقل التقليدي والغيبي في المنطقة العربية وهناك منهجيات التفكير العلمي في عصر التنوير العربي والتفكير التحليلي التاريخاني، مبيناً دور ابن رشد في تطوير العقل العربي ونجاحه في الغرب وعن المتنورين الحداثويين العرب في القرن التاسع عشر أمثال عبد الرحمن الكواكبي ومحمد عبده وجورج طرابيشي.
ويتابع نبيل نوفل، عضو اتحاد الكتاب العرب وأمين سر جمعية البحوث والدراسات، في محور الفكر العربي والحداثة فيقول: لقد تعرض الفكر العربي إلى إرهاصات عرقلت مسيرته في طريق الحداثة، فظهرت تيارات مختلفة ومتناقضة في رؤيتها للحداثة ودورها وماهيتها ومن أخطرها تياران اثنان هما المشروع السلفي التكفيري والثاني المشروع التغريبي الليبرالي الذي يقوم على قراءة التراث بعيون أوروبية استشراقية تعبر كل ما يعرف بالخصوصيات والهويات وهذا التيار يقوم على تدمير كل شيء له علاقة بالتراث العربي، مضيفاً: إن قراءة كل التيارات الفكرية العربية للتراث والحداثة كانت تفتقد العقلانية لأنها جميعها غلبت رؤاها الإيديولوجية على طرائق بحثه وسعت إلى تسويغ قناعاتها المسبقة بخلق صور عن التراث لا تعبّر عن حقيقته التاريخية، إن وعينا بالحداثة ينبغي ألا يتم من خلال نقد الهوية والتراث فقط، إنما ينبغي أن يحلل عبر نقدهما وإعادة النظر بهما معاً انطلاقاً من منظور تاريخي اجتماعي، وهذا يتطلب عدم الفصل بين تاريخ المجتمع والمراحل التي قطعها في مسيرته الحضارية وعملية تحديثه على أساس ما يسمى «القطيعة المعرفية» وأن نستند في مسيرة الحداثة والتحديث إلى تجاربنا السابقة.
لكن نظرية القطيعة المعرفية لا تروق للأديب حسن م يوسف لأنّ الشجرة حين تقتلع من جذورها تموت، ويبين يوسف سمات الحداثة في القصة القصيرة مستهلاً حديثه بتعريف الحضور بالمراحل التي مرّ فيها وتجاوزها والصعوبات التي عاناها في بداية مشواره مع القصة القصيرة، يقول: يرجع بعض الباحثين الإرهاصات الأولى للحداثة إلى القرن السادس عشر عقب سقوط القسطنطينية والأندلس واكتشاف أمريكا وبروز حركة الإصلاح البروتستاني، ويرى باحثون آخرون أن الحداثة الأدبية ترتبط بالثورة الصناعية التي شهدتها أوروبا أواخر القرن الثامن عشر، ويعتقد هؤلاء أن فن القصة القصيرة هو نوع أدبي جديد من معطيات الحداثة الأدبية الأوروبية التي لا يتجاوز عمرها القرنين، أما نحن فنرى فن القصة القصيرة من أقدم رفاق الإنسان على سطح الأرض فقد ولدت بولادة المجتمع البشري وتطوره وهي مستمرة باستمراره.
ومن القصة ننتقل إلى الرواية وثيمات الحداثة فيها، يقول نذير جعفر: انفتاح الرواية وحركتها عبر الواقع المتغير وشروطه ورهاناته يفترضان تحديثاً مستمراً في موضوعاتها وأشكالها الفنية وزوايا نظرتها إلى الإنسان والعالم وبذلك تكون الحداثة ثيمة بنيوية في الجنس الروائي، مضيفاً: ليس في الرواية السورية زاوية نظر فلسفية نوعية تميزها أو حركة متبلورة فيها فنياً تمثلها، وتترجم حراكها وتنظيراتها وتلقيها النقدي كما كان الأمر بالنسبة إلى رواية الحداثة الفرنسية وروادها، كما ليس هناك تشابه بينها وبين الرواية الفرنسية الجديدة على مستوى وجهة النظر إلى العالم والإنسان، إنما هناك حالات فردية تلتقي بهذا القدر أو ذلك بعدد من السمات المشتركة التي تخرجها من دائرة الرواية الكلاسيكية واتّجاهاتها، لكن تحاول تجارب الجيل الحاضر في الرواية السورية أن تخرج عن وصايا المنجز السردي السابق متجاوزة الترسيمات النقدية التي حاولت تأطير الرّواية وتحديد التخوم التي تفصلها عن بقية الأجناس الأدبية والفنية مثل الشعر والسينما والمسرح والتشكيل.
وفيما يتّصل بالشعر تعني الحداثة تحدي الأشكال الشعرية ومضامينها بما يتسق والمتغيرات على الصعد كلها، ليكون وسيلة للتعبير عن روح الحضارة، يقول الدكتور أحمد علي محمد: بدأ التفكير الحداثي في مجال الشعر في منتصف القرن العشرين مع نضوج تجربة بدر شاكر السياب حين تحول عن الشكل العمودي إلى قصيدة التفعيلة ومن ثمّ تلمس بعض الظواهر الاجتماعية بأسلوب واقعي نقدي في شعره، أما فايز خضور فقد أفاد من التقنيات السردية في تطوير قصيدة النثر لديه إلى قصيدة رؤيوية بامتياز تتسع لتأملات وجودية مفعمة بالتشاؤم، بعدها أراد الشباب التحول السريع إلى ما بعد الحداثة وذلك بإعادة إنتاج أفكار جاك دريدا ككلامه عن التفكك ومن هنا ظهرت أسماء جديدة على صعيد الشعر الحداثي منها قصيدة الومضة والهايكو والتوقيعة، منهياً مشاركته بالتساؤل: إلى متى سيبقى النقد الأدبي حبيس تلك النظريات الضيقة وما الذي يمنعه من الانفتاح على ضروب ما بعد الحداثة؟.
ولم يكن الفن التشكيلي ببعيد عن الحداثة واتّجاهاتها، يقول الناقد سعد القاسم: خلال الخمسينيات ظهرت اتّجاهات جديدة مهمة في الفن التشكيلي وفي مقدمتها الاتجاه الذي قاده أدهم إسماعيل للوصول إلى فن معاصر له هويته العربية الخاصة والاتجاه التجريدي وأفضل من يمثله الفنان الراحل محمود حماد الذي سعى لصنع لوحة تجريدية معاصرة باستخدام خاص للخط العربي باعتباره عنصراً تشكيلياً، والاتجاه التعبيري لا يزال الفنان فاتح المدرس أهم رموزه والاتجاه التكعيبي وهو أسلوب خاص للفنان ممدوح قشلان، وأشهر ممثلي التيار الانطباعي هو الفنان نصير شورى.
أما السّينما فهي فن حديث في حدّ ذاته على الرغم من مرور أكثر من مئة عام على وجودها، لكن هذا لا يعني أنها لم تتأثر بمفهوم الحداثة وما بعدها، يبيّن النّاقد عمار أحمد حامد: هناك طريقتان لانعكاس ما بعد الحداثة على السينما الأولى عن طريق قصص تقدّم حياة الإنسان في مجتمع تحكمه قيم ما بعد الحداثة أما الطريقة الأخرى فهي أن يصبح الفيلم نفسه مسرحاً يعبر بطريقة إنتاجه عما بعد الحداثة، ولعل أهم ميزات فيلم ما بعد الحداثة هو اللامعنى ونسبية الأخلاق، في هذه الأفلام يذوب الفرق بين ما هو نخبوي وما هو شعبوي بين ما هو فن رفيع وما هو منتج هابط، إن سينما مابعد الحداثة هي سينما اللاشكل، فهي خليط بين الكوميديا والتّراجيديا.
وعلى خلاف بقية الفنون الأدبية، تعارضت الحداثة مع الأشكال والدراما بالمعنى التقليدي للكلمة كما توضح الدكتورة ميسون علي، مضيفة: لقد تغيرت وضعية المسرح في العالم من كونه فناً رئيساً إلى كونه فناً هامشياً في عالم ما بعد الحداثة من تلفزيون وحاسوب وما يستجد دائماً من وسائط تفاعلية، في هذا الواقع لم تصبح الصورة لغة وثقافة العصر فقط، بل أصبحت قدر الإنسان المعاصر والفضاء الذي يتشكل فيه الوعي بالعلم، وذلك لأنه وعي ينتج عن العلاقة بالصورة، وهنا يبرز السؤال حول قدرة المسرح على استعادة العلاقة بالواقع والحد من تأثير بلاغة الصورة.
وكما الأخلاق في الفيلم الحداثوي نسبية، كذلك هي الحداثة في الموسيقا، يقول رامي درويش: الحداثة في الموسيقا مفهوم نسبي يتغير من عصر إلى آخر تماشياً مع التطور الثقافي والاجتماعي للإنسان، فهي تعبير عن طروحات التطور المستقبلي انطلاقاً من نقد ما هو قائم وفق طروحات وأفكار بديلة متعددة يصطفي الزمان منها ما هو مناسب بناء على الذائقة الجماهيرية والثقافة الاجتماعية، إذ دائماً تلعب الحداثة دور الطاقة المحركة للإعلان عن بدء الانطلاق إلى أساليب وصيغ وخيارات جديدة مستحدثة تتناسب طرداً مع حاجات تطور المجتمع.
أمام كلّ هذه التّحديات والإشكاليات والمتغيرات، كيف يمكن للمثقف أن يكون فاعلاً في عملية النهوض بالأدب والمجتمع، يجيب محمد الحوراني- رئيس فرع دمشق لاتحاد الكتّاب العرب: أهل الثقافة قادرون على الإمساك بزمام الأمور والتحكم بها، ولاسيما أنهم القادة الحقيقيون لمسارات الشعوب، تتشكل العقول والأفكار وترسم الخطط الاستراتيجية لتنفيذ الطموحات وترجمتها إلى واقع علمي، وهم المساهمون الأبرز في عمليات صنع التاريخ وتدوينه، وإن كانت الأغلبية العظمى من المثقفين وقادة الفكر لا تتذكر أسماء القادة العسكريين والسياسيين للإغريق فإن أحداً منهم لا ينسى أسماء المثقفين الأغارقة أمثال أفلاطون وسقراط وبطليموس وفيثاغورث كما هو الحال بالنسبة لابن رشد والرازي وابن سينا، لما لهم من أثر واضح في مسار التاريخ الإنساني وحركة تغيير المجتمع ولأنهم كانوا رواد التقدم وخالقي الحضارة وهم عندما فعلوا هذا فعلوه كمثقفين حقيقيين لا يعانون الأمراض التي تعانيها الكثرة من مثقفينا المعاصرين، مبيناً أن تماهي المثقف مع شعبه هو أحد أهم شروط التغيير، مضيفاً: المثقف المتجرد عن الشعب لا يمكن أن يكون مثقفاً حقيقياً، ولما كانت الثقافة وثيقة الصلة بالمجتمع كان المشهد الثقافي بأمس الحاجة للتغيير الذي لا يقتصر على السجالات والمناكفات الأدبية هنا وهناك، إنما تغيير يضمن مشاركة الجميع، شباباً ومؤسسات ثقافية وكل الأطراف المعنية بالفعل الثقافي وذلك من خلال وضع استراتيجيات عميلة بعيدة عن الرّفوف وعن اللهاث وراء العمل الوظيفي الرّاكد.

طباعة

التصنيفات: ثقافة وفن

Comments are closed