آخر تحديث: 2020-01-23 19:15:18
شريط الأخبار

شوارع العالم… تغصُّ بالصور

التصنيفات: رؤى عربية

تجتاح شوارع العالم الحراكات الشعبية؛ بيروت وبغداد والجزائر وباريس وطهران ولاباز وسنتياغو وبوغوتا، انفجرت هذه الشوارع جميعاً وفي وقت واحد تقريباً وتباينت الآراء في تقييمها. البعض ينظر إلى هذه الحراكات مجتمعة بعين الثورة التي يخوضها الكادحون والفقراء ضد القوى التي همشتهم وحرمتهم من أساسيات الحياة الكريمة. البعض الآخر يمايز بين الحراكات فيرى بعضها محققاً للمشروع الرأسمالي الهادف إلى ضرب القوى الوطنية المناهضة للاستعمار، كما هو الحال في طهران ولاباز، واحتجاجات أخرى يقوم بها فقراء وكادحون ضد أنظمة يمينية فاشية كما هو الحال في سنتياغو وبوغوتا. ويبقى السجال مستمراً بشأن ما يجري في بغداد وبيروت.
في سنتياغو انطلقت التظاهرات ضد حكومة سيباستيان بنييرا اليمينية، بعد ما اتخذت الحكومة قراراً برفع أجرة المترو. بدأ الطلاب الاحتجاجات، لكن رد الفعل العنيف للحكومة أدى إلى توسع نطاقها، وانضمت إليها قوى اجتماعية ونقابية فاعلة، كعمال المناجم وعمال الموانئ في ميناء سان أنطونيو الأهم في البلاد. وتخللت الاحتجاجات أعمال عنف وحرق، في الوقت الذي يبدو فيه الأفق السياسي مسدوداً بسبب رفض الحكومة اليمينية تقديم تنازلات حقيقية. وبرغم أن الشارع يفتقد إلى القيادة، فإنه يرفع شعار «النيوليبرالية ولدت في تشيلي، وستموت فيها» ومصمم على إسقاط النظام الحاكم، وهذا الشعار هو إشارة إلى انقلاب بينوشيه الذي دعمته الولايات المتحدة بقيادة العالم الاقتصادي ميلتون فريدمان، أحد رموز «مدرسة شيكاغو» الاقتصادية.
المشهد نفسه تقريباً يمكن مشاهدته في العاصمة الكولومبية بوغوتا، إذ خرجت الجماهير مطالبة بإسقاط حكومة إيفان دوكي اليمينية، وهي احتجاجات انضمت إليها الاتحادات الطلابية والنقابات العمالية، وشلت الحياة الاقتصادية في البلاد.
في لاباز الصورة مزدوجة، فالموجة الأولى من الاحتجاجات خرجت ضد الرئيس المنتخب إيفو موراليس، تحت شعار رفض الولاية الرابعة التي عدتها المعارضة مخالفة للدستور الذي عدّله موراليس. نجحت الاحتجاجات خلال وقت قياسي في دفع الرئيس ونائبه إلى الاستقالة، ومغادرة البلاد إلى المكسيك. مباشرة بعد رحيل الرئيس اندلعت احتجاجات مؤيديه من الفقراء والسكان الأصليين، والتي تضع ضغوطاً على حكومة جانين أنييز اليمينية التي وعدت بإجراء انتخابات خلال 90 يوماً ومنع الرئيس موراليس من خوضها، وهو الأمر الذي يرفضه المحتجون في الشارع الذين سقط منهم أكثر من 25 قتيلاً.
الصورة في الجزائر تشبه المرحلة الأولى من الاحتجاجات في بوليفيا، فالعامل المحرك كان رفض الولاية الخامسة للرئيس بوتفليقه، لكن استقالة الرئيس والحكومة واعتقال عدد كبير المسؤولين السابقين، بمن فيهم شقيق الرئيس، وإجراء الانتخابات، كلها لم تهدّئ من خاطر الشارع الذي ما زال يطالب بالمزيد، مع ملاحظة غياب العنف عن هذه الاحتجاجات.
في بيروت وبغداد يرفع المتظاهرون مطالب متشابهة تؤكد محاربة الفساد. يتشابه سلوك المتظاهرين في العاصمتين باللجوء إلى قطع الطرقات، وإغلاق المؤسسات الحكومية، كما يتشابه رد فعل الحكومة في كلا البلدين من خلال إصرارهما على السير في الإصلاحات ضمن القنوات الدستورية، التي يعدها المتظاهرون بطيئة، مع تصاعد العنف من طرف من المتظاهرين خاصة في الحالة العراقية.
في ظل غياب قيادة واضحة لهذه الاحتجاجات لا بد من طرح سؤال: ما هي الآلية التي يمكن من خلالها الوصول إلى الإصلاحات المطلوبة؟ لنفرض جدلاً أن المسؤولين في العراق ولبنان والجزائر غادروا البلاد كما فعل زين العابدين بن علي مثلاً، فمن سيقوم بإدارة الدولة؟ هذه الأسئلة تدفعنا إلى سؤال يمكن أن يدرجه البعض في خانة نظرية المؤامرة، هل حقيقة أن هذه الاحتجاجات ما زالت تهدف إلى إحداث إصلاحات، أم إن المطلوب هو تحويل الاحتجاجات إلى حالة من الفوضى تعيد ترتيب الأوراق في الدول المعنية؟
هل يمكن التغاضي عن حرق مقار الحشد الشعبي، والقنصليات الإيرانية، والتفجيرات في شوارع بغداد، وتجنب المتظاهرين المراكز الأميركية أو المساس بالمشروع التقسيمي الكردي؟.. وهل يمكن التغاضي عن والهجوم على مقار التيار الوطني الحر وإعادة بث فيديوهات قديمة عن مواجهات في بيروت بين الشياح وعين الرمانة؟!..هل يمكن التغاضي عن تنصيب جانين أنييز التي لم تحصل حتى على الأغلبية داخل مجلس الشعب البوليفي لتنصيبها رئيسة للبلاد.. ولماذا أجمعت ردة الفعل في كل دول أميركا اللاتينية التي تسودها الاحتجاجات على طرد الأطباء والدبلوماسيين الكوبيين والفنزويليين، وتأتي ردات الفعل في شوارع بيروت وبغداد لتتهم إيران.. هل هي مجرد مصادفات أن هذه الحراكات التي تبدو في الظاهر بلا قيادة لكنها تُجمع على معاداة أعداء الولايات المتحدة الأميركية، وتطالب بإصلاحات ديمقراطية ليبرالية؟
في حوار على الـBBC»» تحدث أحدهم عن «عولمة الثورة»، فهل نحن أمام ثورة ليبرالية معولمة تحاول كتابة نهاية التاريخ مرة أخرى.. هل يعني ذلك أن دولاً مثل تشيلي وكولومبيا تمر بما مرّت فيه دول ما يسمى«الربيع العربي» الأول لإعادة إنتاج نظمها بصورة مختلفة، في حين يتعرض العراق ولبنان وبوليفيا وفنزويلا إلى ما يسمى«ربيع جديد» يحاول أن يعود بها إلى حظيرة النظام الرأسمالي.
يرى البعض أن خروج الجماهير إلى الشارع، مهما كان سببه، يندرج في سياق الثورة، وأن هذه الثورة ليست محكومة بالانتصار لكنها بالتأكيد خطوة نحو الأمام في سياق هزيمة الرأسمالية. في هذا الرأي الكثير من الرومانسية الثورية، التي تبني موقفها على الفهم الكلاسيكي للثورة. في عصر وسائل التواصل الاجتماعي وثقافة الصورة لم تعد الثورات تملك ذلك النقاء الذي حلمنا به ذات زمن. في عام 2013 عُقد في عمَّان منتدى فيلمي بشأن ما سُمي تضليلاً «الثورة السورية» عُرض خلاله أكثر من 250 ألف مقطع فيلمي، لكن المهم ليس عدم مصداقية تلك المقاطع المشكوك فيها، بل هو أن تلك المقاطع نالت عشرات الملايين من المشاهدات والتعليقات في دول لا يتقن سكانها اللغة العربية التي تحدث بها «أبطال» تلك المقاطع، واستخدامها في التحريض وجمع المساعدات وتجنيد المتعاطفين من أكثر من ثمانين دولة في تنظيمات إرهابية شنت حرباً بالوكالة على سورية تحت شعار «الثورة».
الثورة ضد المستعمر ومشاريعه حلم يراود كل وطني حر، لكننا اليوم ما زلنا بعيدين عن مثل هذه الثورة، فظروفها لم تنضج داخل المجتمعات المعنية، وقواها الثورية الحقيقية ما زالت أضعف من أن تخوضها أو تفرز قيادة لها. ما يجري اليوم ليس سوى جولة جديدة من مواجهة المشروع الرأسمالي المعولم، وكل الأدلة تقول إنه سيُهزم مرة أخرى، لا لقوة خصومه فقط، ولكن لضعف النظام الرأسمالي نفسه الذي بلغ مرحلة الشيخوخة.

*كاتب من الأردن

طباعة

التصنيفات: رؤى عربية

Comments are closed