يحتل ملف دعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة مكان الصدارة في الخطط والبرامج الاقتصادية الحكومية كما برز في البيان الحكومي مؤخراً نظراً لدوره الكبير في تحريك عجلة الإنتاج من جديد ومرونته الفائقة من حيث استيعاب الأفكار الجديدة، وتوفير فرص عمل بما يتناسب مع الواقع الراهن وتشجيع المشاريع الزراعية والصناعية وترشيد الاستيراد وتعزيز توفير المواد الأساسية بأسعار مقبولة.‏
وفي هذا المجال كان قد صدر القانون الجديد لهيئة تنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة في الدور التشريعي السابق وطال الانتظار للخطوات الإجرائية والتنفيذية لتفعيل هذا القانون الذي سيسهم بشكل كبير في قيام المشروعات التي تمارس نشاطها في قطاعات الزراعة أو الصناعة أو الحرف التقليدية أو التجارة أو الخدمات أو المهن أو النشاط الفكري.. ورغم أن الحكومة ومجلس الشعب نجحا معاً في إصدار التشريع الجديد المتطور لكن المواطن لم يحصد أي ثمار تذكر في هذا المجال بالحدود الدنيا أو القصوى ولا يزال الأمر منوطاً بقرار من مجلس الوزراء.

غزل ما بين الحكومة ومجلس الشعب
وقد شهد الكثير من جلسات مجلس الشعب رسائل غزل وتعاون وانسجام من كلتا السلطتين التنفيذية والتشريعية.. رسائل متبادلة تحض على الانتقال من الشرح والتعريف إلى التنفيذ واتخاذ الخطوات الإجرائية.
وكانت الدكتورة هدية عباس رئيسة المجلس قد بينت أن المؤسسة التشريعية جاهزة للتعاون مع الحكومة في مجال اقتراح ودراسة وإقرار القوانين الجديدة التي تخدم الوطن والمواطن وتطوير التشريعات اللازمة لمواكبة المستجدات وكذلك للمساعدة في ابتكار الافكار والمقترحات لتطوير آلية العمل الحكومي.
من جهته، تعهد رئيس مجلس الوزراء المهندس عماد خميس بأن يكون هدف السياسة الاقتصادية للحكومة في ظل الظروف الراهنة على المدى المتوسط هو الوصول إلى معدلات نمو واقعية حقيقية ومستدامة على نحو يخدم تحسين الوضع المعيشي للمواطنين وتعزيز موارد الدولة وإيجاد فرص عمل إضافية موضحاً أن هدف هذه السياسة على المدى الطويل سيكون وضع الخطط اللازمة لمرحلة إعادة الإعمار وكيفية توفير متطلباتها مشدداً على ضرورة تنسيق الإجراءات بين جميع القطاعات التي تشكل دعائم السياسة الاقتصادية في القطاع الحقيقي حيث ستقوم الحكومة في ظل ضعف الاستثمار الخارجي بتحفيز القطاع الخاص على الاستثمار الداخلي عبر التشاركية بين القطاعين العام والخاص بهدف زيادة الإنتاج المحلي وتمكين المشروعات الصغيرة والمتوسطة بتوفير التمويل اللازم لها.‏
وأكد خميس أن الحكومة ستعمل على تحفيز زيادة الإنتاج الزراعي وتحسينه وتعزيز قدرة المنتجين وحماية وتنمية وتطوير قطاع الثروة الحيوانية والدواجن وتوفير مستلزمات الإنتاج الزراعي ودعم الزراعات المنزلية ومعالجة صعوبات التحول إلى الري الحديث وتفعيل دور مشروعات تنمية المجتمعات الريفية وتحسين الوضع المعيشي للأسر الريفية وإيلاء البحث العلمي الزراعي الأهمية والأولوية مع التركيز على البحوث التطبيقية الزراعية.‏
البدء بشركة ناشئة
والسؤال الذي يطرح ما الخطوات الإجرائية التي يقترحها أعضاء المجلس لتفعيل هذا الملف؟
يقول عضو مجلس الشعب جمال رابعة: البدء بشركة ناشئة أصبح أمراً صعباً هذه الأيام ولاسيما مع وجود منافسة شرسة في عدة قطاعات، ووجود شركات كبيرة من الصعب تجاوزها؛ للحصول على حصة من السوق.
وعدم وجود رأسمال متوافر لدى رواد الأعمال كذلك، يجعل من الصعب بناء نماذج أولية لخدمات أو منتجات، والبدء في تسويقها للعملاء المحتملين.
ويتساءل رابعة: ماذا إذاً عن أفكار للمشاريع التي لا تحتاج رأسمالاً كبيراً، ويمكن العمل عليها من دون الحاجة إلى خبرة طويلة، أو بناء نماذج أولية معقدة؛ لعرضها على مستثمرين. في هذا السياق، ابتكر المواطن ما يسمى البيع كطرف ثالث وهذا المصطلح يطلق على الأشخاص الذين يقومون بشراء منتجات، من موزعين، وإعادة بيعها للعملاء، بعد الحصول على هامش ربح.
ويضيف رابعة: الرؤية التقليدية لهذا النوع من الأعمال تتضمن تجهيز مكان للبيع، وشراء المنتجات من الموزعين، وشحنها لمحل البيع، وبالطبع كل ما يرتبط بذلك من مستحقات، مثل مصاريف الإيجار والموظفين، مع وجود الإنترنت يمكنك البدء في هذه العملية، من دون الحاجة لكل هذا الجهد، من خلال رأسمال صغير جداً.
كيف ننطلق؟
والسؤال المطروح لتفعيل سبل عيش جديدة للمواطن الذي قهرته البطالة من جهة وارتفاع الأسعار من جهة أخرى وعدم وجود فرص توظيف من جهة ثالثة والحصار الاقتصادي من جهة رابعة و… ما رأي أعضاء المجلس بالخطوات المطلوبة لتفعيل المشروع الاقتصادي وهل يستطيع مجلس الشعب الضغط على الحكومة لاتخاذ خطوات عملية وتنفيذية في هذا الاتجاه؟!
يقول عضو مجلس الشعب أكرم العجلاني: إن أهم نقطة في أي خطوة اقتصادية تكون البداية من خلال خلق البيئة التشريعية ويعد القانون رقم 2 لعام 2016 القاضي بإحداث هيئة تنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة من أهم القوانين الجديدة التي ستساهم في دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة في المجالات الإنتاجية والمرافق العامة والتنموية.
وأوضح العجلاني: أن القانون سيعمل على المساهمة في توفير فرص عمل لخريجي الجامعات والمعاهد المتوسطة والباحثين عن عمل من خلال برامج تشغيل خاصة توضع لهذه الغاية بالتعاون مع الجهات المختصة.
توزيع الأعباء
ويلفت العجلاني إلى أن من الإجراءات المهمة لتفعيل المشاريع الصغيرة والمتوسطة وضع دليل تعريفي يعرف بهذه المشروعات وفق حجم النشاط والتوزع الجغرافي وبما يمثل دليلاً وطنياً لاستهدافها ببرامج الدعم والتسهيلات الإدارية والتمويلية بالتنسيق مع الجهات المعنية.
إضافة إلى رسم السياسات والبرامج اللازمة لتشجيع ريادة الأعمال وتطوير قطاع المشروعات الصغيرة والمتوسطة بما يعزز مساهمتها في الاقتصاد الوطني ويتلاءم مع خطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية المتوازنة في سورية.وذلك بالتنسيق والربط بين استراتيجيات وخطط التنمية الوطنية واستراتيجية وخطط تنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة.
بما في ذلك التنسيق الفعال بين الجهات العامة والخاصة والأهلية ذات الصلة بتنمية المشروعات بما يحقق تكامل عملها ويساعدها على تحقيق أهدافها.
وربط المشروع الصغير والمتوسط بالمؤسسات المعنية بتنمية قطاع المشروعات لتسهيل استفادته من خدمات هذه المؤسسات. وكذلك تطوير سياسات دعم الإنتاج المحلي بشكل متمايز قطاعياً وتحديد المطرح الرئيس للدعم الذي يساهم في تخفيض تكاليف الإنتاج، وإيجاد بيئة أعمال تمكينية بما يساهم في تنمية قطاع المشروعات الصغيرة والمتوسطة وانتقالها إلى القطاع المنظم.
توفير بيئة تشريعية وإدارية
كما يلفت العجلاني إلى المساهمة في توفير بيئة تشريعية وإدارية متكاملة وما يرتبط بها من قوانين وبرامج اقتصادية لازمة لتعزيز القدرات الإنتاجية لقطاع المشروعات الصغيرة والمتوسطة وتحقيق الترابطات اللازمة مع المشاريع الكبيرة في سلاسل القيمة وزيادة مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي. والعمل على زيادة إنتاجية المشروعات الصغيرة والمتوسطة القائمة وتحسين أدائها. والمساهمة في زيادة حجم الصادرات الوطنية وتنويعها وتخفيض أعبائها وتعزيز المركز التنافسي لمنتجات المشاريع الصغيرة والمتوسطة أمام السلع الأجنبية المماثلة وتمكينها من ولوج الأسواق الخارجية.
حماية المنتجين الصغار
من جهة أخرى، يرى عضو مجلس الشعب فاضل وردة أن من الخطوات الإجرائية المهمة لتنفيذ وتطبيق هذه البرامج العمل على إحداث شبكة وطنية لحاضنات أعمال المشروعات الصغيرة والمتوسطة متعددة النشاطات الاقتصادية /زراعية- صناعية- خدمية- وفي مجال الحرف اليدوية والتراثية.. وغيرها/ ما يسهم في تطوير قطاعات المشروعات الصغيرة والمتوسطة بالتنسيق مع الجهات المعنية، وذلك لتسهيل نفاذ المشروعات الصغيرة والمتوسطة إلى الخدمات المالية.
وأيضاً المساهمة في تنظيم وضبط سوق تمويل المشروعات لكل من مؤسسات القطاع الحكومي والأهلي والخاص العاملة في مجال تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة بالتنسيق مع مصرف سورية المركزي.
ورصد وتقييم أداء المشروعات الصغيرة والمتوسطة من خلال تصميم حزمة من المؤشرات الكمية والنوعية اللازمة لقياس أداء المشروعات وحجم مساهمتها في الناتج والتشغيل والتصدير حيث تعطي فكرة واضحة عن احتياجات المشروعات وتسمح بالتدخل الإيجابي لتنمية هذا القطاع الحيوي وتعزيز دوره التنموي عن طريق وضع سياسات الدعم المناسبة له.
وتابع وردة: أضف إلى ذلك المساهمة في تدريب وإعادة تدريب طالبي العمل للمواءمة بينهم وبين متطلبات الوظائف المعروضة في سوق العمل بالتعاون مع الجهات المعنية، والعمل على التدريب والتأهيل وتنمية القدرات للموارد البشرية العاملة في قطاع المشروعات.
استثمار الطاقة الكامنة
ويلفت عضو مجلس الشعب فهمي حسن إلى أن تفعيل هذه المشاريع في أقرب فرصة سيكون له أثر إيجابي في تطوير المرافق العامة من خلال توزيع الأعباء بين القطاعين العام والخاص وبما يحقق أهداف تقديم الخدمة العامة بالكفاءة المثلى والسعر المناسب وبما يتوافق مع سياسة الدولة الاجتماعية. ويؤكد حسن أهمية قانون التشاركية أيضاً لجهة تحقيق متطلبات التنمية كإنشاء البنى التحتية والمشاريع الحيوية وتطويرها مع ترشيد الاستثمارات الحكومية من الموازنة العامة وزيادة التمويل المقدم من القطاع الخاص، لافتاً إلى أن التشاركية علاقة تعاقدية لمدة زمنية محددة ومتفق عليها بين جهة حكومية وشريك خاص بالاستثمار في واحد أو أكثر من الأعمال التي تتضمن تصميم أو إنشاء أو بناء أو تنفيذ أو صيانة أو إعادة تأهيل أو تطوير أو إدارة أو تشغيل مرفق عام بما يسهم في تقديم خدمة عامة.
وضع حدود زمنية
وأشار عضو المجلس عبد المجيد الكواكبي إلى أهمية رسم استراتيجية شاملة لتنمية قطاع المشروعات الصغيرة والمتوسطة وذلك بالتنسيق والتعاون مع الجهات المعنية ووضع السياسات العامة اللازمة لتنمية قطاع المشروعات الصغيرة والمتوسطة.
واقترح إعداد مشاريع القوانين والأنظمة المتعلقة بتنمية قطاع المشروعات الصغيرة والمتوسطة بالتنسيق مع الجهات المعنية ويقول الكواكبي: تفعيل برامج المشاريع الصغيرة والمتوسطة يساعد في النهوض بواقعها وتحفيزها على الاستثمار اعتماداً على قدراتها الذاتية وطاقتها الكامنة ويعد «حجر الأساس للمنظومة المؤسساتية الضرورية لتمكين المشروعات الصغيرة والمتوسطة من التوسع في الإنتاج والتشغيل».
أخطاء محتملة
ويرى الكواكبي أن الخطوات الأولى يجب أن تعنى بتحديد آليات ومطارح دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة عبر ربط المؤسسات التمويلية بالمشروع الصغير والمتوسط وتوفير دعم الإنتاج والصادرات وإعطاء الأولويات والمزايا للشركات الصغيرة والمتوسطة واستهدافها في مرحلتها الأولى القطاعات الزراعية وخاصة البيوت البلاستيكية وزراعة الأشجار المثمرة وإعادة ترميم الثروة الحيوانية والصناعات الزراعية ولاسيما الكونسروة والنسيجية وصناعة المفروشات. وبين الكواكبي أن من الثغرات التي تعوق تنفيذ هذه المشاريع عدم تشكيل فريق عمل للتنسيق بين الجهات المعنية والهيئة العامة للتشغيل وتنمية المشروعات لتحديد الإمكانات ونقاط القوة والضعف الخاصة بالهيئة السابقة وتأمين متطلبات تطوير العمل والتعديلات الضرورية للقيام بالدور المنوط بها لتتمكن من تطوير آليات العمل بهدف توفير السبل الممكنة لإحداث نمو كلي في سلة السلع والخدمات المنتجة في هذا القطاع وتقديم التسهيلات اللازمة لاستدامة نشاطها إضافة إلى دورها الرئيس بتوحيد مرجعية الجهات العاملة فيه وضمان التنسيق بينها لتنمية وتوحيد الرؤية والاستراتيجيات وتحديدها ببرامج عمل تنفيذية طموحة وقابلة للتطبيق ضماناً لتكامل الأدوار وعدم الازدواجية في العمل.
إذا وعدت.. وفت
إن المقدمات التي يخاطب بها مجلس الشعب الحكومة.. لا يمكن أن تكون شعارات وعناوين عابرة وإنما هي تعهدات على أرفع المستويات من أرفع السلطات ومن ذلك تأكيد السلطة التشريعية أن القيام بهذه المسؤوليات هو جزء من معركتنا في مواجهة الإرهاب وأن مجلس الشعب سيبذل كل ما يستطيع للتعبير بصدق عن صوت المواطن وقضاياه ومتابعة عمل كل المؤسسات الحكومية عن كثب ومساءلة المقصرين بكل جرأة وقوة وتعرية الفاسدين ليكون المجلس سنداً قوياً للمؤسسات القضائية والرقابية في تطبيق القانون من دون مجاملة أو استثناء.
ولاشك في أن الحكومة التي أكدت في بيانها أنها ستعمل على تطوير منظومة الحماية الاجتماعية وشبكات الضمان والأمان الاجتماعي وتعزيز استراتيجيات وبرامج رعاية الأسرة وتمكينها والتوسع في برامج التنمية الريفية وتطوير عمل صندوق المعونة الاجتماعية وعمل القطاع الأهلي وتعزيز برامج التشغيل والتوظيف مع التركيز على فئة الشباب بالتعاون مع القطاعين الخاص والأهلي واستكمال بناء المنظومات وقواعد البيانات التي تخدم دراسة الواقع الاجتماعي وسوق العمل وتطوير التشريعات العمالية الناظمة لسوق العمل والتشريعات الخاصة بالقضايا الاجتماعية‏ تأخذ كل هذه العناوين على محمل الجد ولن تخيب آمال المواطنين في ترجمتها إلى خطط عمل في القريب العاجل.

print