آخر تحديث: 2019-12-13 13:47:14
شريط الأخبار

الترويج للكتاب.. عمل استهلاكي أم تفاعل ثقافي؟

التصنيفات: ثقافة وفن

حدث ثقافي مهم يرتبط بذاكرة المؤلف بتاريخ يشبه يوم الولادة ويعده البعض عرساً ثقافياً حقيقياً يستحق الاحتفاء.. إنه مراسم حفل توقيع الكتاب.. هذه الولادة الجديدة في الحياة الثقافية تعلن في مساحة في المكان والزمان عن نبع معلوماتي ومعرفي جديد يرفد الإرث الحضاري بمشاعر وأفكار ورؤى جديدة.. ولاشك في أن التطور التقني لعب دوراً كبيراً في انتشار وزيادة الانتاج الثقافي ثم جاء عصر الفضاء الخارجي والمواقع الإلكترونية لتتحقق قفزة كبيرة في عالم الإنتاج.. وتعد معارض الكتب الدائمة وغير الدائمة أداة مهمة لتسويق الكتب وغالباً ما يقوم الكاتب باختيارها كتوقيت جاذب للإعلان عن حفل توقيع الكتاب، وهذا مالمسناه في معرض الكتاب الأخير، حيث تم الإعلان عن حوالي خمسة وسبعين حفل توقيع.
يقول الدكتور عبد الرحيم الشمخي كاتب عراقي: استُخدِمت كلمة التوقيع في الكتاب عند العرب، للدلالة على استدراك الكاتب، أو بيان النقاط المهمة لكتابه، وقد يكون هذا التوقيع بين السطور، أو في الحاشية، كما ذكر ذلك «لسان العرب»، ومعجم «الصحاح»، ومن ثَمَّ انتقل المعنى، ليكون إشارة إلى فنٍّ أدبي يَعمِد إلى كتابة أو تعليق على كتاب – مع ملاحظة مفهوم الكتاب عند العرب، الذي يعني أحياناً الرسالة التي تتوسل العبارة البليغة المختصرة في اللفظ والمعنى، كقول الخليفة عمر بن عبدالعزيز لأحد وُلاته بعد أن شُكي إليه، فقال لذلك الوالي: «لقد كَثُر شاكوك، وقلَّ شاكروك، فإما عدلتَ، وإما اعتزلتَ، والسلام».
ويمكن القول بما أن حفل توقيع الكتاب أصبح مظهراً شبه تجاري، فإنه من الأفضل أن يكون الحديث عن أطراف المتاجرة، ألا وهي «الناشر/ البائع – القارئ/ المشتري – المؤلف/ الإعلان»، وهي تحمل سمات التوقيعات في القرون السالفة من الإيجاز والاختصار في عدد الكلمات، ولكنها تشكَّلت في نمط جديد؛ لتدلَّ على كتابة رسالة صغيرة في بداية الكتاب، يكتبها المؤلف، ويوجهها لشخص معين «المُهدَى إليه – القارئ»، ليقولَ فيها إن هذا العمل هو تعبيرٌ عن عواطفِه تُجَاه المُهدَى إليه/ القارئ.
وهذا يشير إلى أركان التوقيع على الكتاب|، وهي: اسم المُهدَى إليه/ القارئ، الرسالة العاطفية، واسم المؤلف، وبعضهم يلغي الركن الأول، لأن بعض المؤلِّفين يوقِّعون على بعض الكتب، ويتركونها في المتجر للقارئ/ المشتري، الذي يُتَوقع أن يحصل عليها.
ويجدر التنبيه إلى أن المؤلِّف الذي شرح أو فسر كتاباً يمكنه أيضاً أن يوقع على ذلك، كما فعل جوادي الآملي في معرض طهران للكتاب، حيث وقَّع على تفسيره لنهج البلاغة.
ويلفت الشمخي إلى سير حركة التوقيع وانتقالها من أوروبا بعد ذلك إلى المجتمعات العربية عن طريق بوابة الثقافة العربية (مصر) قبل خمسة عقود تقريباً، حيث يروي «علاء الأسواني» أن عملاق الأدب العربي «عباس محمود العقاد» كان يقف أمام الناشر الخاص به (مكتبة الأنجلو)، ويقف الجمهور صفاً ليوقِّع له نسخته التي اشتراها، ثم دخلتْ بهدوء وحذر – كبقية المظاهر الثقافية – إلى المجتمع الثقافي العربي قبل خمس سنوات.
ويرى الكاتب فاتح كلثوم أن حفل التوقيع يكاد أن يكون عرساً من دون عروس ولاسيما إذا كان الكتاب سيئاً.
ويكشف كلثوم عن تفاصيل تتعلَّق بدبيب هذه الثقافة المتسلِّلة على استحياءٍ إلى ثقافتنا العربية, حيث يستغرب الناشر الشهير «نجيب الريس» عن خجلٍ توقيعَ الكتاب في معرض دمشق برغم قِدَمها في الحياة الثقافية الدمشقية في الثمانينيات والتسعينيات، وبرغم قناعة الأغلبية بأنها وسيلة لتشجيع الثقافة.
ويضيف كلثوم: إنما السبيل على الذين يجعلون التجارة أولاً التي لا تبنِي وعياً ولا تصنع مثقفاً، ولا تربي مفكراً أو عالماً. حيث دأب الناس على الاعتياد على أن التوقيع عادةً يكون إما في معارض الكتب، وإما في دُور النشر، كما اشتهرت بإقامة حفلات التوقيع مكتبتا (ديوان) و(آفاق) ومن الأمكنة المشهورة المقاهي الثقافية، التي بدأت تستعيدُ روحَها المعرفية، وتقدِّم مع كأس العصير أو القهوة أمسيةً شعرية، أو محاضرة ثقافية عن الكتاب أو الكاتب، يلتمس بعدها الجمهور التوقيعَ على الكتاب مع أخذ صورة تذكارية مع المؤلف.
لكن غير المعتاد في الأمكنة هو ما يحصل عمَّن يوقِّع كتابه في منزله، أو في مطعم فاخر، أو حتى مَن يعده حفلة ميلاد في بيته.
ولسائل أن يسأل: لماذا هذا الاهتمام بالاحتفال؟ وما الدوافع والنوازع وراء هذه المظاهر الثقافية وغير الثقافية التجارية؟ وهل هناك نسق يحرك هذا السلوك، أم إنه وعي وفهم للتجربة المعرفية على نحو أمثل؟
يقول الأستاذ كلثوم: البداية في هذا الشأن تكون بالحديث عن منطلقات (الناشر/ البائع)، لأنه هو الفاعل غالباً، حيث تدفعه لإقامة مثل هذه الاحتفالات منطلقاتٌ تجارية – مصحوبة بدافع ثقافي أحيانًا، كمحاضرة، أو أمسية، أو إبراز لهذا الكاتب – تَهدف إلى تحصيل أكبر قدر من المال عبر بيع كمية كبيرة من مطبوعات ذلك المؤلف الذي أحضرته، يضاف إلى هذا الدافع الماديّ دافعٌ آخر معنوي، يهتم بنشر وإشهار اسم الدار على نطاق واسع لدى القراء والمثقفين، مستعيناً بالمؤلف أيضاً في تحقيق هذا المأرب، وقصد هذا المرتع المادي والمعنوي متوازياً مع المقصد الثقافي أمرٌ لا بأس به في الجملة – كما بُيِّن سابقاً – لكن الملاحظ أن هدف إشهار الدار لم يتحقَّق بشكل كبير ومرجو منه، وذلك لسبب يعودُ إلى استراتيجية استخدام المؤلف في عملية التسويق، فالقرَّاء عندما يأتون لحفل التوقيع يأتون لأجل المؤلف، وينفضُّون عن الحفل لأجل المؤلف، لا لأجل الدار ولا لمطبوعات الدار القابعة والراكدة على الأرفف منذ أمد، ومن هنا تحتاج دُور النشر أن تتميز بذاتها، وأن تتمايز عن بقية دور النشر، بالاهتمام بجانب محد من المعرفة، كالترجمة، أو موضوع أو مجال ثقافي، كما تفعل مجموعة غير قليلة من الدُّور لتسويق نفسها.
أما الدافع الثقافي الوحيد، فهو رغبة القارئ في الجلوس إلى المؤلِّف، والتواصل معه، وسؤاله، ومناقشته بشأن الكتاب، وهذا يقتضي أن القارئ قد قرأ الكتاب قبل ذلك.
وأما بقية الدوافع، فهي – ولا شكَّ – نفسية، ولا علاقة لها بالجانب الثقافي بشكل كبير، فمن ذلك الشعور بالنشوة والسعادة عند الالتقاء بالكاتب الأثير، والمؤلف الذي طال انتظاره، ينتقل هذا الاحتفاء من كونه عرضاً؛ ليصبح ورقة تاريخية، وذكرى ثمينة لدى كثير من القراء، فمما يذكره الناقد الثقافي الدكتور «ناصر الحجيلان» في أمريكا أنه رأى الناس متجمهرين بجوار مكتبة، ليحصلوا على توقيعِ الرئيس الأمريكي السابق «بيل كلينتون» على كتابه «حياتي»، وعندما سأل أحدهم: وماذا يعني لك توقيعه على الكتاب؟ ردَّ: لأنه شخص مهم، وربما بعتُه بعد سنوات بملايين، وهذا البعد المادي – الذي يحكم نسق الشخصية الغربية عادة – لم يكن، لولا القيمة التاريخية التي يظن هذا المشتري أنه سيَجْنِيها بعد مدة طويلة من السنوات، لا يدري أحد مقدارها.
وفي الوطن العربي يحتفظ ويحتفي ويفتخر الروائي الجزائري «واسيني الأعرج» منذ نهاية السبعينيات بتوقيع رواية لحنا مينة، بل إن أحد قرَّاء الوطن العربي يعد حصول القرَّاء على كتاب موقَّع من صاحبة الثلاثية الروائية الجزائرية «أحلام مستغانمي» – كنزًا ثمينًا في يوم تاريخي، ويكاد يجزمُ بأن الكثير منهم يحتفظون بالكتاب في مكان آمنٍ، وهذا يلوح بشيء فيه لطافة، ألا وهو أن المكتوب تزدادُ قيمته كلما جار عليه الزمن، فالآثار القديمة المكتوبة بلغة غير مفهومة بشكل صريح وواضح، هي أغلى وأثمن في المجال المعرفي والثقافي من كتاب أو صحيفة صدرت اليوم تتحدَّث عن أحداث قائمة.
أما العنصر الحساس، والذي يعد المحرك الأول للناشر، والجاذب الحقيقي للقارئ، ألا وهو (المؤلف أو الكاتب)، والكاتب له نفس بشرية كنفوس الآخرين؛ من حيث نوازع البحث عن الاحتفاء، والشهرة، والتشجيع، والمال أيضاً؛ فهذه «د. فاطمة البودي» – صاحبة مؤسسة دار العين للنشر – تقول: «إن الأهم من ترويج الكتاب هو الاحتفاء بالكاتب».

طباعة

التصنيفات: ثقافة وفن

Comments are closed