آخر تحديث: 2019-12-14 04:22:13
شريط الأخبار

«درس قاسٍ».. تمثيل دور الضحية أسهل من تمثيل دور الجلاد

التصنيفات: ثقافة وفن

استطاع المخرج سمير عثمان الباش الوصول عبر مسرحية «درس قاسي» التي أعدها عن نص للكاتب الروسي فالنتين كراسنوغوروف الوصول إلى أعماق النفس البشرية والكشف عن سيكولوجيتها وكيف تتم إدارة بعض الأفراد بعد السيطرة عليهم وسلب تفكيرهم.
التجربة النفسية التي قام بها أستاذ الجامعة «الدكتور إبراهيم- أوس وفائي» في «مدرسة الفن المسرحي –جرمانا«مع طلاب السنة الرابعة» لورا- توليب حمودة» و«يزن- كرم حنون» مع مساعدة أستاذ علم النفس «أليسا-فرح الدبيات» التي عرفها الجمهور على أنها تحمل شهادة ماجستير في علم النفس وتشارك في تجارب الدكتور من أجل العلم لكن في العقد الذي يبرم بين الطبيب ومساعدته والطلبة المشاركين في حفل التعذيب على الكرسي الكهربائي نكتشف أنها تتقاضى المال مقابل جلسات التعذيب وتجارب الدكتور التي منعتها إدارة الكلية, لنكتشف لاحقاً أنها ممثلة ولا علاقة لها بالتدريس وإن كل ما كنا نشاهده من حركات ونسمعه من أصوات صادرة عنها ما هو إلا مجرد مشهد تمثيلي تقوم به مقابل ما تتقاضاه من المال.
كان من السهل على الدكتور إقناع طلابه بمشاركته التجربة التي اختارها ولاسيما أن الاختبار يمنحهم درجات الامتحان العملي الذي يجرى في بعض الكليات عادة, أما التجربة فكانت عن «دور العقوبة في تحريض الإنسان على الحفظ» وهو الأسلوب التقليدي المتبع من قبل بعض الأسر والمدرسين, لكن ما أراد لفت نظرنا إليه وهو الجزء الأهم المقابل المادي الذي يتقاضاه الطلبة مقابل المشاركة وهوما جعل لورا تتقاضاه بكل سهولة لحاجتها للمال، بينما ترفع عنه يزن لأنه من عائلة ثرية, وكأن الباش أراد أن يوصل لنا فكرة أن الحاجة المادية للأفراد ليست سبباً أساسياً للخروج عن الطبيعة الإنسانية والتحول إلى الطبيعة الحيوانية.
فانسحاب لورا من هذه اللعبة ورفضها إكمال التجربة رغم الإغراء المادي والعاطفي والضغط النفسي الذي مارسه الدكتور عليها جعلها تؤكد نظرية الكاتب, بينما قبول يزن إكمال الاختبار حتى النهاية لم يكن بسبب الحاجة المادية ولا الضغط الذي مورس عليه بل لنقص في شخصيته ظهر لنا منذ البداية كشاب فارغ متكئ على أقوال وأموال والده, وبدا جلياً ضعفه في قراءة أجزاء مختارة من مسرحية «تاجر البندقية» لوليم شكسبير, فهو أصلاً غير مهتم بالتجربة أو بتحصيل علامات أو بالبحث العلمي لكنه الوحش القابع وراء الجهل الذي لا يشبع نهمه إلا السلطة التي استحوذ عليها من خلال ضغطه على زر التعذيب، وهي إشارة واضحة لبعض المدرسين الذين تغيب عن بالهم مهمتهم الأساسية في التدريس والتعليم ويتحولون إلى جلادين يريدون انتزاع الحقيقة من الطفل أو التلميذ وكأنهم في جلسات تحقيق وليس في جلسات تدريس, وقد دعم الفكرة من خلال المادة الفيلمية التي ظهر فيها أطفال يعاقبون بالضرب لأنهم غير قادرين على الحفظ.
الدرس القاسي أو «الوحشي» حسب النص الأصلي لم يكن على الطلبة فقط بل كان على الجمهور الذي اكتشف سادية الجهل وكيف أن الاختبار لم يكن على المساعدة ولم يكن هناك أي كهرباء موصولة على كرسي التعذيب بل كان الاختبار الحقيقي على الجمهور الذي كان يضحكه جهل يزن من غير مسؤولية أو تعاطف مع الضحية أو الفتاة التي انسحبت من الاختبار, وخاصة حين عرفنا كيف يمكن أن يؤدلج الإنسان ويتحول إلى كائن قاتل لا يستخدم مشاعره ولا قلبه ولا تردعه الظروف ويتحول إلى مجرد سكين في يد السلطة التي تمنحه التعليمات بغض النظر عن نوعية السلطة سواء كانت اقتصادية تمنحه المال أو دينية تعد نفسها مانحة لجوازات عبور إلى الجنة أو سياسية يمكن أن تسيطر على الفرد من خلال مفاهيم كبيرة كـ «الديمقراطية والحرية» وهي المفاهيم التي استخدمتها الولايات المتحدة في تخريب الكثير من البلاد العربية على سبيل المثال لا الحصر.
ليؤكد لنا العرض أن من وضع العبوة الناسفة أو فخخ السيارات ومن ألقى بالقنبلة النووية على «هيروشيما وناغازاكي» ما هم إلا أفراد أطاعوا أوامر من خدرهم وهم لا يعنيهم الفعل بقدر ما يهمهم تنفيذ الأوامر بشكل دقيق، أما النتائج فيعدونها مسؤولية من أعطاهم الأمر وكأن العقل البشري والأحاسيس والمشاعر تعطلت بشكل كامل عن العمل أو تحولت لتنفيذ رغبات وأوامر الآخر.
بالطبع عرج العرض على الحرب التي عاشتها سورية وكان مباشراً في بعض الحوارات فالإسقاطات لا يمكن أن يغفل عنها المشاهد السوري الذي عاش الحرب بتفاصيلها طوال السنوات الفائتة, لكن طرحه كان موفقاً إلى حد ما من خلال مفهوم الطاعة العمياء الذي جعل بعض الناس تفجر نفسها وتزهق أرواح الآخرين, غير الرسائل الكثيرة والمقولات التي سمعناها على لسان الممثلين: «تمثيل دور الضحية أسهل من تمثيل دور الجلاد».
الأداء كان مقنعاً على عدة مستويات بالنسبة للممثلين سواء في الحركة كلغة جسد مسرحية وحركات فنية قصدية تخدم الحوار ولاسيما في الحركات التي كانت تقوم بها «لورا- توليب حمودة» كردات فعل على ما يجري أو ما يحاول يزن والطبيب والمساعدة إيصاله للمشاهد من خلال تعابير الوجه والجسد, باستثناء الحركة المتكررة أثناء الصعق الكهربائي للمساعدة «أليسا –فرح الدبيات» والقفزة الدورانية الخلفية الأكروباتية التي نفذها «يزن – كرم حنون» في الهواء التي كانت زائدة عن العرض، أما الإلقاء فقد خرج عن نمطية الخطابة والشعرية التي كنا نشاهدها في الأعمال المسرحية التي تتخذ اللغة الفصحى وسيلة, بل كان تمثيلاً تلقائياً غلبت عليه الراحة التامة وتقمص الشخصيات من دون أن يكون هناك تحديق في الجمهور مع إن ضيق مساحة المختبر ونوع العرض جعل المشاركين على تماس مباشر مع الحاضرين.
الديكور الذي صممه «محمود الداود» رغم بساطته خدم العرض، فلم يحتج العرض إلى أكثر من عدة كراسي وطاولة مكتب ولوح ومكان لغسل الأيدي، لكن كانت تنقصه صور توضيحية أو تشريحية كان من المفترض أن توجد في المختبرات والكليات والعيادات الطبية، أما الموسيقا فلم تعلق على الحدث بشكل كامل ويمكن أن تكون خدمت العرض في أماكن وأضعفته في أماكن خاصة في لحظة عناق الطالبة لمعلمها, تماماً كالإضاءة التي صممتها «مرح العريضي» التي عكست صورة الإضاءة في القاعات الدراسية، إذ لم يلفت انتباهنا تغير في حركات الضوء باستثناء التعتيم الذي حصل في نهاية العرض.
لكن في النهاية تبقى خيارات المخرج في عدم مسرحة المكان بشكل كامل أو هي شروط فرضها المختبر و في حال قدم العرض على إحدى خشبات المسارح السورية يمكن أن تكون الرؤية مختلفة لكن من حيث الأفكار المطروحة في النص والمعالجة والإعداد, وتسليط الضوء على مفهومي الطاعة العمياء والإهانة والتعليم بالضرب الذي ما زال مستمراً في المدارس رغم منعه وأداء الممثل يمكن عد أن سنوات الحرب لم تضعف المسرح السوري.

طباعة

التصنيفات: ثقافة وفن

Comments are closed