آخر تحديث: 2019-12-13 13:47:14
شريط الأخبار

الوخز بلغة الوجود

التصنيفات: رؤى عربية

سأحاول أن أكتب بعناء شديد شيئاً عما يجري وما سيجري في غضون الأيام والشهور وربما السنوات القادمة، إنّها مهما بدت أياماً عصيبة إلاّ أنها لن تنتج قطيعة كاملة مع ما سبق من فوضى، فالمنطقة ومعها العالم يتجه نحو مزيد من التناقض والإحراجات والفضائح والمفارقات، إنه المنعطف الكبير الموسوم بمؤشرات كثيرة عنوانها الرئيس هو مغالطات أجيال ومراحل، مغالطات خطاب وتجارب، مغالطات إنسان في طريقه إلى تعديل مشيته لأنه دنى وتدلّى حتى كاد يمشي على الأربعة.
لا يوجد خطاب مهما اختلف يشذّ عن هذه الحقيقة، كل خطاب ينطوي على مشترك وافر من المغالطات ذاتها التي تستهدف المكر، لكنها تواجه مكر التاريخ وهو ما ينتهي بمجموعة من الصدمات التي تفجّر كبرى المفارقات التي تعتمدها القوى البشرية.
هذا التصادم مهم، وهذا الجيل هو حقاً جيل الضياع، لأنه يعيش على إيقاع اشتباك المتناقضات، وهو يحترق وجوديّاً في أتون هذا الصراع الذي تجعله قوانين الصدام على حافة المعنى، وبالفعل فالمعنى غير مكتمل وهو في طريق التشكل على أنقاض هذا الحطام من القوى المتصارعة.
مهما اصطف الخطاب والكائنات، فإنّ التّاريخ يستكمل دورة الثأر من «مكور الأناسي في تمرحلات فعلهم الآني».. (مكور: من مكر.. أناسي: جمع إنسان) ستُعصر المكور تحت صخرة مكر التاريخ الأعظم لتنتج في حافة جيلنا أو ما يليه انبعاثاً جديداً ولحظة تفجّر بنيوي يمنح المعنى الحقيقي برسم ملامح أفق حقيقي ليس من طبيعة جيلنا الذي انوجد في المرحلة الانتقالية لتشكل المعنى الجديد.
هم يقولون الحداثة قطعت، ولكنها قطيعة صغرى في منظور مكر التاريخ، لأنّ عناصر القرون مازالت فاعلة في ثنايا العصر مهما نطّ بعيداً، فالقطيعة الكبرى لم تحدث ولكننا في مرحلة انتقالية كبرى فقط، حيث عشنا تحولات وفوضى داخل هذه المرحلة، في مخاض ظننا أنه يحمل خصائص التمرحل ولكنه يعكس توترات مرحلة تاريخية انتقالية لا ينفع معها التحقيب الغريغوري.
أرى زعيقاً وهياجاً وأصواتاً توحي بأنّ ثمة غرقى، غير أنّ البشرية كلها تائهة في ملهى ليلي داخل مرحلة انتقالية لها أدواتها في العيش والمرح والمتعة أيضاً، إنهم أولئك الأطفال الذي يعيشون في طور جديد من مكر التّاريخ، وربما اعتقدوا أنّهم يصنعون فصوله القادمة، ما أروع هذه اللوحة البشرية، وهم الغرقى لكنهم يتنابزون الألقاب ويمارسون الهضم المرح للعيش المشترك فوق الموج.
هي مسرحية طويلة، الكل ينتزع له منها دوراً، وما أكثر الأدوار الصعبة والراقية وما أكثر الأدوار البائسة والبئيسة، والمخرج هو نفسه حائر في انتقاء الديكور والأضواء وخلع العناوين على الفصول المهمة وغير المهمة، وخلف تلك الأضواء، وفي كواليس القطع المسرحية المتناوبة على مصير الإنسان تكمن الرغبة في الاستقالة، لكنها استقالة بنكهة أنطولوجية حقيقية، ما أصعب أن تدرك كلّ هذا، ما أصعبه على الإنسان، ما أصعب أن تعيش في اشتباك مع الضحالة والتّفاهة التي تنتج عن اصطكاك المتناقضات.
ما أحمق هذا الصخب في قاطرة تمشي بسرعة البرق، ما أسوأ هذا الضجيج داخل مركبة مكر التاريخ، ولا معنى هنا للمرح ولا للبكاء الجماعي، ولا للرغد ولا للحريق، ما أسوأ هذه الهشاشة التي تفضح طبيعة الكائنات، وهي في كل عصر وجيل تكشف مزيداً من ضحالتها، وفي كل منعطف تعوي كالذّئاب، لتغيب زمجرة الفرسان، ويتراجع كلّ شيء جميل، كل شيء يواجه الانحطاط: المادة والروح معاً، وها قد آن الأوان ليزمجر الضمير ويستعيد ذاكرة الوجود.
لا أنسج هنا أكفان النهايات بتشاؤم أهل القبور- وأصلا حقيق بنا أن نتساءل ما هي المسافة الأنطولوجية التي تفصل بين هذا الانزلاق الوجودي وتلك القبور؟- بل هو التفاؤل بطريقة أخرى، هو التفاؤل الشجاع بالمصير، تلك هي الشهادة الحقيقية في مسار تأكله خيبات الأمل وتنحته الرّداءة حيث الموقف واللغة والصورة والمنطق وكل شيء يحتمل هنا أن يجري على كلّ إيقاع. في هذا الوضع المتموّج، في هذا المنحنى الماكر لتاريخ في حالة تصريف أعمال يبدو المطلوب أن تحافظ على المحور، تمشي منتصب القامة، تكون مقنعاً داخل هذا المكر، محرجاً كعنوان ينطّ من بين فكاك اللاّمعنى.. لا نتحدث عن بلاغة معنى المعنى، بل عن سيمياء معنى اللاّمعنى في هذا الممشى الماكر بمغالطات تقتضيها المرحلة الانتقالية الكبرى.

*كاتب من المغرب

طباعة

التصنيفات: رؤى عربية

Comments are closed