آخر تحديث: 2019-12-13 13:47:14
شريط الأخبار

الخط الحديدي الحجازي.. سكة الوحدة

التصنيفات: رؤى عربية

في 18/11/2019 أعلنت الصين عن وصول قطار محمل بالبضائع إلى فرنسا. خبر لا يشكل صدمة كبيرة لمن تابع نشاط الصين منذ منتصف ثمانينيات القرن الماضي، عندما أطلقت مشروع طريق الحرير الذي توسع ليصبح «مبادرة الحزام والطريق» وهي مبادرة تثير قلق الدول الرأسمالية الغربية، وبشكل خاص الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، اللتين تسيطران على الجزء الأكبر من قطاعي النقل والتأمين البحريين. لقد مرّ مشروع تحوّل الصين إلى دولة عظمى اقتصادياً بعدّة محطات، أهمها تطوير شبكة معقدة للنقل، تحتل السكك الحديدية مكاناً بارزاً فيها. وتنقل هذه الشبكة 80 مليون طن من البضائع يومياً.
في الطرف الآخر من العالم يعد معظم الباحثين أن الولايات المتحدة الأمريكية هي أمّة وحدتها خطوط سكة الحديد، إذ لم يكن من الممكن توحيد دولة بحجم قارة من دون شبكة نقل تصل بين أطرافها، لذلك فإن مشروع السكك الحديدية الأمريكية الذي بوشر ببنائه مطلع القرن الثامن عشر، يعد اليوم أطول شبكة قطارات في العالم.
في بلادنا أدرك العثمانيون ضرورة بناء خطوط سكك حديدية تصل أطراف دولتهم منذ منتصف القرن التاسع عشر، لكن ضعف الدولة وعدم استقرارها أدى إلى تأخير تنفيذ هذا المشروع حتى مطلع القرن العشرين، ففي عام 1900 باشر العثمانيون ببناء ما عُرف بالخط الحديدي الحجازي الذي يصل دمشق بالمدينة المنورة عبر الأردن، مع تفرع عند محطة درعا باتجاه فلسطين حيث يمر من حيفا واللد والقدس، وفي عام 1903 بدأ العثمانيون بالتعاون مع الألمان ببناء خط البصرة برلين (قطار الشرق السريع) عبر بغداد وسامراء والموصل والقامشلي حيث يتفرع إلى خطين: خط يدخل الأراضي التركية، وخط آخر بطول 430 كم يسير نحو حلب ليدخل هو الآخر الأراضي التركية.
بدأ الخط الحديدي الحجازي عمله عام 1908، ليختصر زمن الرحلة من دمشق إلى المدينة المنورة من أربعين يوماً إلى خمسة أيام، وقد نقل هذا الخط 300 ألف حاج حتى عام 1912 إضافة إلى استخدامه في نقل البضائع ولأغراض عسكرية. وقد طمح العثمانيون إلى ربط خطي سكة الحديد ببعضهما، لكن هذا الطموح اصطدم بعائقين: الأول انطلاق الحرب العالمية الأولى التي أوقفت بناء خط البصرة – برلين، والثاني الأطماع البريطانية الفرنسية التي رأت في الربط بين أطراف الدولة العثمانية، وبرعاية ألمانية، خطراً يهدد مشاريعها لتقسيم أملاك الدولة العثمانية.
سعت بريطانيا من خلال ضابط المخابرات توماس إدوارد لورنس (لورنس العرب) إلى تخريب الخط الحديدي الحجازي بدعوى أنه يُستعمل لدعم الحاميات العثمانية. أقنع لورنس الأمير فيصل بضرورة تفجير الخط، وهو ما كان، إذ تم تخريب جزء كبير من هذا الخط في جنوب الأردن وإخراجه من العمل عام 1917، أما قطار الشرق السريع فانتهى بناؤه عام 1940 وهو الخط الذي اشتهر بعد رواية أجاثا كريستي «جريمة في قطار الشرق السريع».
بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى بهزيمة العثمانيين، عُقد اجتماع في مدينة اسطنبول عام 1925 وزعت خلاله أملاك الخط الحديدي الحجازي على الدول التي يمر فيها. ومنذ منتصف القرن الماضي جرت أكثر من محاولة لإعادة تشغيل هذا الخط. فقد عُقد اجتماع في الرياض عام 1955 بين الأردن وسورية والسعودية تم الاتفاق فيه على إعادة تشغيل الخط الحديدي الحجازي، وعقدت اجتماعات أخرى أعوام 1966، 1978، و2008 لكن كل هذه المحاولات لم يُكتب لها النجاح.
لقد حاول العرب منذ مطلع القرن الماضي تحقيق وحدة بلادهم، لكن هذه المحاولات اصطدمت بممانعة الخارج، وغياب المصلحة بالنسبة للأنظمة التي زرعها الاستعمار. لكن الأهم كان غياب قوة الدفع الشعبي لتحقيق الوحدة المنشودة. اتسمت جميع محاولات الوحدة بأنها جرت على مستوى البنية الفوقية للدول (وحدة سياسية) في حين كانت البنى التحتية الاقتصادية والاجتماعية تُبنى على أساس قطري. لذلك احتفظت الجماهير العربية بدور المتفرج، المُرحب بالوحدة إن حدثت، والقابل بانفكاكها إن فشلت.
تبدو السكك الحديدية اليوم، وكأنها تستعيد أهميتها كوسيلة لنقل البضائع والأفراد داخل الدول أو فيما بينها. وتمتلك الدول العربية بنية تحتية لشبكة سكة حديد طولها حوالى 5000 كم موزعة بين سورية والعراق والأردن ولبنان، وفي حال انضمام السعودية إلى هذه الشبكة فإن طولها سيبلغ حوالى 10000 كلم.. هذه السكة التي تصل عدن أو صنعاء بحلب أو الموصل، وموانئ بيروت واللاذقية وطرطوس، كفيلة بإنعاش التجارة البينية وحركة تنقّل الركاب بين الدول الواقعة على مسارها، ما يعزز المصالح المشتركة بين مواطني هذه الدول. كما أن هذه السكة ستكون واحدة من أهم الطرق التجارية البرية في العالم لما ستحمله من بضائع وخاصة النفط والغاز والمنتجات الزراعية.
إن الحلم العربي الذي تمثل في تأسيس مجلس الوحدة الاقتصادية عام 1957 لم يستطع تحقيق أي من أهدافه. فقد اصطدم هذا المجلس بعوائق سياسية ولوجستية. رغم ذلك فإن أهدافه بتأمين حرية النقل وتبادل البضائع وانتقال الأشخاص، مازالت الوسيلة الوحيدة لدمج مصالح المواطنين القُطرية، وصهرها في بوتقة المصالح القومية.
في ظل ما يجتاح الوطن العربي خلال العقد الأخير، تبدو المهمة مستحيلة، لكن الواقع يقول إن تحقيق هذا الإنجاز ممكن على مراحل، فالخط بين عمان ودمشق مازال عاملاً، وإن لم يكن فاعلاً كما يجب، والخط بين بيروت ودمشق توقف عام 1995. إن تطوير هذا الجزء الذي يصل ميناء العقبة جنوب الأردن، بمدينة حلب شمالاً، وبيروت غرباً، يبدو مهمة قابلة للتحقيق في سياق هذا الواقع، وخاصة مع انطلاق مشاريع إعادة الإعمار في سورية. كما أن التحاق العراق بهذا الخط لا يبدو صعب المنال، علما بأن الحديث عن قطار يربط طهران بدمشق عبر العراق، مطروح على طاولة النقاش والدراسة.
إذا كانت السياسة تفرقنا، فإن الاقتصاد يمنحنا الفرصة لتحويل الأزمة إلى فرصة من خلال تركيز جهودنا على مشاريع ضخمة من قبيل الخط الحديدي الحجازي، ليكون السكة التي ستسلكها الوحدة.

*كاتب من الأردن

طباعة

التصنيفات: رؤى عربية

Comments are closed