آخر تحديث: 2019-12-10 00:11:23
شريط الأخبار

المنطقة ليست ثابتة

التصنيفات: رؤى عربية

لمعجم الألفاظ المرتبط بالمجال التّواصلي في الإقليم الشرق أوسطي علاقة باستحقاقات التغيير في المنطقة ومخرجات التحول الجيوسياسي، وسنشهد انقساماً كبيراً في اللغة التداولية لـ«ميديا» تترنّح على خطّ مغالطة الرأي العام لأنّها وبكل بساطة ستُصدم بإقليم يتحرّك من تحت الطاولة، فالحلم بانهيار الموجود لا معنى له في حقل دلالي مزيّف وعقل يُنتج المفارقة لتدبير الواقع بمقتضيات المصلحة ومنطق الأشياء، هل نحن في حاجة للتذكير بقاعدة لافوازييه؟.. إنها ذات مفعول كبير على مستوى فيزياء الحركة الإقليمية أيضاً.
يحتاج الإقليم إذاً راحة بيولوجية أو بتعبير آخر العمل في منحى أقل صداماً، لأنّ وسائل الإرغام لم تعجز عن تحقيق هدفها فحسب، بل تحوّلت إلى نقطة ضعف كبيرة أيضاً، فمزيد من الضغط على المنطقة قد ينتج انفجاراً لا رجعة فيه، ولكن التساؤلات المؤرقة اليوم: هي ماذا بعد الانفجار الإقليمي الكبير، وما مستقبل المعادلة التقليدية ومصير قواعد معوقات الاشتباك؟.
اليوم تتجه سورية إلى تجاوز كل عقبات الحلّ، ولاسيما أنّ ما يبدو من لا يعدو سوى ربح الوقت لتطويق الترتيبات القادمة.
كما إن اليمن يتجه نحو الحلّ، وهذه المرة تكشف الأخبار المسربة من طرفي النزاع، ناهيك بما تحدثت عنه وكالة «أسوشيتد برس»، عن وجود مفاوضات بين الرياض وصنعاء بخصوص إنهاء الحرب.. لا شكّ في أن الرياض ستجد نفسها معنية باستباق الأوضاع ولاسيما أنّ الأوروبيين فتحوا قنوات اتصال مع «أنصار الله»، هذه المفاوضات انطلقت منذ بدأت مسارات المعركة تشهد تحوّلاً كبيراً أظهر كيف أنّ الجيش اليمني واللجان الشعبية استعادوا المبادرة في المعارك وبعد الهجوم على أرامكو وأيضاً على إثر الكمين الذي أوقع 2000 أسير في يد «أنصار الله».
ومن جهة أخرى، فإنّ لبنان والعراق يمرّان بوضعية قابلة لمزيد من التأزيم، لكن هذا لا يحجب جملة التدابير التي تتبلور باتجاه احتواء الأزمة، حيث لابديل عن تشكيل حكومة بمواصفات مقنعة مع الاستجابة لبعض المطالب التي يرفعها المحتجون، وكذلك تحقيق الشيء نفسه بالنسبة للترتيبات التي تتعلق بقانون الانتخابات وتشكيل حكومة بمواصفات أكثر إقناعاً في العراق، ولا يمكن أن نتصور تأزيماً أكثر من هذا بخلاف ما تنتظره دوائر معادية للبلدين لأنّ لا شيء تريده هذه الدوائر سوى الفوضى، فالحاجة اليوم لمزيد من النظام والانتظام على أرضية استجابات مقنعة للشارع وتقويض لمحاولات استغلال الحراكات الشعبية في سياق أجندات ملتبسة لن يكتب لها النجاح، فهناك على الجبهة الأخرى معركة بأساليب معقدة.
وأما الحرب على إيران فهي على الرغم من أنها الهدف الأبعد إلاّ أنها باتت مكلفة وباهظة الثمن، لأنّ إيران خرجت من مرحلة أن تكون رقماً سهلاً في تعقيدات المنطقة، وحتى في سياق الصراع بينها وبين الكيان الإسرائيلي، فكل محاولات هذا الكيان لم تمنع من أن تجعل إيران تفتح كل المنافذ على حدود فلسطين المحتلّة، بل وحتى الرأي العام اليوم داخل فلسطين المحتلة يؤكد أنّ بنيامين نتنياهو يسعى إلى حرب سيخسرها لا محالة، وأنّ محاولاته لبعث رسائل التخويف من خلال استهداف قادة المقاومة أنتج عزل «إسرائيل» عن العمل مدة ثلاثة أيام كما أرغم أعداداً كبيرة من الإسرائيليين على العودة إلى الملاجئ، ولقد أنتجت سياسة الإرغام التي انتهجها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب منح إيران فرصة الخطو في مراحل متقدمة من استعمال أجهزة للطرد المركزي والكشف عن مصادر جديدة للطاقة والتقدم في تعزيز الترسانة الصاروخية وإيجاد مخارج لفك الحصار.
هناك أشياء كثيرة معروضة على الطاولة وتحت الطاولة، في إقليم يعيش حالة مخاض، والمعركة شديدة التعقيد تتجاوز المعطيات المتاحة في وسائل الإعلام، لكن يبدو أن التراجع الكبير في الكتل المالية والاحتياطي المصرفي والكساد هي أرقام تهيمن على الخيارات السياسية دولياً وإقليمياً، ولا يمكن للمنطقة أن تتحمّل أكثر من هذا الضّغط، ولاسيما أن القوى الغربية نفسها تدرك أنّ زعزعة الاستقرار في هذه المنطقة لن يكون في مصلحتهما، فحتى وإن كانوا يحاولون إعاقة تقدم روسيا، ومحاولة احتلال مواقع في المعادلة الجديدة، فإنّ ملامح الصورة البديلة قد بدأت تتضح في الأفق، فعلى الأقل هناك إعادة توزيع لمراكز النفوذ، وبما أنّ هناك من لا يزال غير مقتنع بالمعطيات الجديدة في سياق توازن القوى فسنكون أمام مزيد من التأزيم والعرقلة المجّانية، لكن ما لا يمكن الاختلاف بشأنه هو أنّ المنطقة في القادم من الأيام ربما لن تكون كما كانت عليه في سالفها.

*كاتب من المغرب

طباعة

التصنيفات: رؤى عربية

Comments are closed