آخر تحديث: 2019-12-10 00:11:23
شريط الأخبار

إنها الحرب… تثقل القلب

التصنيفات: رؤى عربية

في الحرب التي نخوضها اليوم، تقصف الطائرات الإسرائيلية مواقع الحشد الشعبي في العراق، ومنزل قيادي في حركة المقاومة الفلسطينية- الجهاد الإسلامي في حي المزة بدمشق، وتغتال قيادياً في الجهاد الإسلامي بقصف على غزة، ويقصف الإرهابيون الأحياء المدنيّة في مدينة حلب شمال سورية، وتقصف صنعاء والحديدة من التحالف السعودي، وتنقلب القوى اليمينية على الحكومة الوطنية في بوليفيا، وكما يتم افتعال أعمال شغب في شوارع فنزويلا.
في الحرب التي نخوضها اليوم، تتحرك القوى المرتبطة بالمشروع الرأسمالي الاستعماري تحت غطاء الحراكات الشعبية في لبنان والعراق، ويبايع أتباع «داعش» ما يسمى «الخليفة الجديد» للبغدادي، وتتحرك قوى انفصالية عميلة بمرافقة «التحالف الأمريكي» شمال شرق سورية.
المطلوب ببساطة حرماننا من النصر، لكن هل نحن فعلاً قريبون من الانتصار؟
في أحداث سابقة في التاريخ، اعتدت «إسرائيل» على العرب مجتمعين وهزمتهم في حربين عامي 1948 و1967، لكن الكابوس الذي يطاردها هو الأيام العشرة الأولى من حرب تشرين التحريرية. ولمن لا يعرف فقد وصل الرعب بالحكومة الإسرائيلية، أثناء تلك الحرب، إلى التفكير بحفر قبور جماعية في حدائق تل أبيب لدفن المستوطنين الذين سيقتلون عند وصول الجيش العربي السوري الذي كان يحقق تقدماً متسارعاً باتجاه شمال فلسطين.
الدرس الذي تعلمته القوى الوطنية الحقيقية من هذه الحروب هو ضرورة دخول الحرب على قلب رجل واحد، وأن الهدف ليس إلحاق هزيمة عسكرية محدودة بجيش الاحتلال الإسرائيلي في معركة هنا وأخرى هناك، الحرب الحقيقية هي حرب ضد مشروع رأسمالي استعماري متكامل، يشكّل الكيان الصهيوني إحدى حلقاته، هذا ما تبلور على مدى السنوات الثماني الماضية، لقد استطاع محور المقاومة تحقيق جبهة موحدة تتصدى للمشروع الرأسمالي الاستعماري في المنطقة، بتنسيق كامل بين طهران وبغداد ودمشق وبيروت وصنعاء إضافة إلى المقاومة الفلسطينية وتتلقى هذه الجبهة، في الوقت نفسه، الضربات التي توجهها قوى هذا المشروع الرأسمالي.
الحرب التي نخوضها اليوم، تتميز عن كل ما سبقها بأنها ليست حرباً ضد الكيان الإسرائيلي فحسب، بل هي حرب ضد المشروع الرأسمالي وأدواته الرجعية والإرهابية في المنطقة مجتمعين. ربما هي المرة الأولى التي نخوض فيها الحرب مفتوحي الأعين بالكامل لا تقودنا عواطفنا وأحلامنا، نقودها بمحور متكامل، وليست دولاً متفقة في الظاهر، بينما بعضها يعمل وفق أجندات خفية لا تعلم بها الأطراف الأخرى.
في هذا السياق لا يعود استهداف قيادات حركة الجهاد الإسلامي الفلسطينية أنه مرتبط بخطرها المباشر على «إسرائيل»، ولكن بموقعها الواضح داخل محور المقاومة. وعليه يكون اغتيال بهاء أبو العطا في نفس سياق اغتيال عماد مغنية وسمير القنطار وداود راجحة وحسن تركماني، ومحاولة اغتيال أكرم العجوري، وفي نفس سياق محاولة اغتيال قاسم سليماني.
اعتقدت المخابرات الغربية ونظيرتها «الإسرائيلية» أن محور المقاومة «لن يكون قادراً على الرد» على الاعتداءات الإسرائيلية ضد دمشق وغزة، على أساس أن دمشق «مشغولة» في عملياتها في الشمال ومحاولات العدو الأمريكي استعادة بعض مواقعه في المناطق النفطية، والمقاومة الوطنية اللبنانية (حزب الله) «مشغول» بالحملة التي تديرها واشنطن ضده في لبنان، والحشد الشعبي العراقي «مشغول» بحملة مماثلة تديرها واشنطن في العراق، لذلك اعتقدت الدوائر الغربية أن الوقت مناسب لضرب أحد أضلاع محور المقاومة في الخاصرة الأضعف نظرياً… غزة.
لكن قرار محور المقاومة كان معاكساً لكل توقعات الدوائر الغربية، فبعد رد الفعل الأولي الذي توقعت الدوائر الاستخبارية (باعترافها الصريح) أن يكون محدوداً، جاء استمرار القصف الصاروخي الفلسطيني باتجاه العمق الإسرائيلي لليوم الثاني مع ارتفاع وتيرة القصف ليصل إلى معدل 10 صواريخ في الساعة.
أصبح من الواضح لدى دوائر المشروع الرأسمالي أن الأمور تتجه نحو حرب مفتوحة، وأن محور المقاومة لا يمانع في خوض هذه الحرب، لم يكن المخطط الإسرائيلي يتوقع هذا الشكل من الرد، لأن الوضع الداخلي الإسرائيلي لا يحتمل حرباً في ظل عدم وجود حكومة، وعدم القدرة على تشكيل هذه الحكومة، ومع احتمال الذهاب إلى انتخابات للمرة الثالثة يمكن أن تكون هذه الحرب المسمار الأخير في الدور السياسي للطرف الذي أطلقها.
تحركت الدوائر السياسية والمخابراتية الرأسمالية بسرعة لتفادي تدهور المواجهات نحو الحرب. هذا التحرك كان باتجاهين متناقضين: الأول باتجاه قطر التي تتمتع بعلاقات مميزة مع تنظيم «الإخوان المسلمين» وطرف فلسطيني معين بشكل خاص، وكان المطلوب ضمان عدم مشاركة هذا الطرف في المواجهات الدائرة والاكتفاء بالدعم الإعلامي، الاتجاه الثاني كان نحو مصر التي تملك علاقات جيدة مع حركة «الجهاد الإسلامي» للسعي لتحقيق وقف سريع لإطلاق النار.
نجحت مساعي الطرف القطري بشكل واضح، أما المساعي المصرية فقد اصطدمت بشروط حركة الجهاد الإسلامي، التي أدركت أنها تمتلك قوة نسبية، من خلال قدرتها على التصعيد والاستمرار في الاشتباك لعدة أيام إضافية على الأقل، لم يكن أمام نتنياهو سوى القبول بشروط حركة الجهاد الإسلامي لتجنب مصير رئيس الوزراء الأسبق أيهود أولمرت. من المؤكد أن محور المقاومة لا يصدق أن «إسرائيل» ستلتزم بالشروط التي وضعتها حركة «الجهاد الإسلامي»، لكنه يدرك تماماً أن الفائدة المرجوة من المواجهة قد تحققت، وتمثلت في إيصال رسالة واضحة إلى أي حكومة إسرائيلية قادمة من أن محور المقاومة جاهز، ولا يمانع في خوض المعارك الضرورية حسب الساحات المختلفة.
الحرب مستمرة، سنودع خلالها الكثير من أحبتنا وقادتنا، لكننا ندرك أننا في أقرب نقطة من النصر. لن نطلب من أبطال محور المقاومة المزيد من التضحيات، لأنهم يقدمون أرواحهم على خط الاشتباك مع العدو، وهذا أقصى ما يمكن للإنسان تقديمه. المطلوب من الكثيرين ممن يجلسون خلف الشاشات، أو في الجلسات يقدمون التحليلات وينتقدون بموضوعية كاذبة خطأ هنا وآخر هناك، المطلوب منا جميعاً الانخراط في المعركة مع أبطال محور المقاومة.. بالسلوك الاقتصادي الثوري.. بالكلمة الثورية المنحازة «من دون موضوعية»… بالعمل على الأرض كالجنود.. ليس من أجل الأجر ولكن في سبيل النصر. إنها الحرب تثقل القلبَ.. لكن لن نصالح ولن نتوخى الهرب.

*كاتب من الأردن

طباعة

التصنيفات: رؤى عربية

Comments are closed