آخر تحديث: 2019-12-08 04:51:01
شريط الأخبار

الظنّ باليقين.. اليقين كنقيضة!

التصنيفات: رؤى عربية

في العلم – كالفلسفة وأصول استنباط القوانين والشرائع – تحضر قصّة اليقين بما يحيط بها من هشاشة لها تجليّات في نشأة اليقين ومصيره.. ودائماً وفي كل مراحل النظر والعمل هناك جدل ثبوت وإثبات لليقين.
دعوني أفكّر معكم بصوت عالٍ وبأقصى ما تطلبه عملية صفّ المقدّمات، لأنّ المجال ليس متاحاً لمقاربة دورية تنتج مفارقة الاستدلال على هشاشة اليقين باليقين. بالنسبة إلى كانط يكفي ربط اليقين بمسار تشكّل أو لنقل إعادة تشكّل الظاهرات في الوعي، والحقيقة فإنّ الوعي الكانطي يأخذ شرعية الخيال في مدلوله الأكبري، أي الخيال الذي يُنتج الصور في المثال بشقيه عند الحكماء: المثال المتصل والمثال المنفصل، ولكن الوعي الكانطي كالخيال الأكبري لا يُخطئ، وهذا هو المُدْرَك الأساسي الذي يقوم عليه اليقين الأوّل، وهو يقين يخضع – في الوقت نفسه – للتنسيب لكونه صناعة وعيّ تلهمه التجربة، ولكنها لا تحدد مسار إعادة تشكل الظاهرات في الوعي، يُمكّننا الوعي الكنطي من تجاوز الاعتباطية في الشّك وفي اليقين معاً، لكل مهامه، ولحماية العقل من تسلسل مستحيل لا بد من إعادة هيكلة المقولات.
سأنتقل إلى شكل آخر من تدبير اليقين، وهذه المرة من داخل علم الأصول في مدرسته العقلانية الحاسمة في مبانيها ولاسيما فيما يتعلّق بالظنون، لقد ارتفع اليقين عن إدراك الواقع، لكن ما مصير الوظيفة والامتثال؟
بموجب مقدّمات الحكمة كما عالجها الأصولي لا بدّ من إعادة تشكيل الواقع في مستوى من مستويات الظّن، والظنّ هنا يكتسب اعتباره من الإمضاء الذي يراعي الامتثال لا الواقع، فالظن العام كالخاص إزاء الواقع سيّان، لكن المعتبر من الظنّ الخاص – المميز له عن العام –
هو شكل من الظّن العقلاني في النظر والعقلائي في العمل، حيث يدرك العقل أنّ أشكالاً من الظنون لها صفة القرب والاحتمال الأقوى في إدراك الواقع أكثر من سائر الظنون الأخرى، لأنّها إمّا لها شامّة أكثر من مجرد إنشاء الوظيفة العملية، كما هو شأن الاستصحاب.. وإمّا أنها واقع جديد يستحقّ الاعتبار، ولنسميه هنا: الواقع الامتثالي، وهو ما تتحقق به مصلحة الجري العملي وإن أخطأ مصلحة الواقع.. تفوت مصلحة الواقع حين إخطائه لكن تظل مصلحة الامتثال – باعتبار الجري العملي نفسه – مستوى من مستويات الواقع البديل الذي ينشأ من قوة الامتثال.
غير أن ما أسعى إليه هنا ليس هذا الأمر تحديداً، بل أقصد مفارقة اليقين التي يتطلبها الجري العملي، حيث نتحدّث عن يقين ناشئ من الاستنباط الظّنّي نفسه، فالمكلف حال الامتثال يأتي الأمر ليس بنية الاحتمال بل بنية القطع، ولاسيما أنّ الأمر يتجلى بصورة أوضح في مقام من كان تكليفه التّقليد، فدائرة التقليد أكثر يقينية من دائرة الاجتهاد، وهذا اليقين الذي أساسه الظّن بالحكم لا ينقص حدّة عن اليقين المطابق للواقع. فهو يقين/ظنّي عند التّأمّل، وهذا ما أسمّيه نقيضة اليقين.
في تزلزل اليقينيات نحن أمام تحدّي إعادة هيكلة الدليل، أمام مطلب المواءمة، فلكل جيل أنساقه المناسبة للإقناع، واليقينيات كالجبال الرواسي التي تنفجر فيها البراكين، وكالحواضر التي تحطمها الزلازل.. اليقين يُعاد إنتاجه أيضاً لكن في شروط أخرى، وهذا هو تنسيب اليقين نفسه، حيث اليقين نفسه – وإن بقي له حضور في الوعي – قد يُحدث شرخاً بينه وبين مقدماته البرهانية، شكل من الانفصال بين النتيجة والمقدمات، شأن كل اليقينيات التي تهتزّ أمام عوامل التعرية التي يفرضها الزمن في عمر اليقين.
لعل هذا هو السبب الرئيس الذي جعل العلم والفلسفة – وحتى الأصول العملية في مجال التشريع – تنأى عن فكرة اليقين وتمنح لهذه الأخيرة صفة الامتثال وفرصة زمنية لإمضاء العمل على مقتضى الظّن باليقين، وهو التعبير المفارق الذي يجب استيعابه في هذا الجدل الممتد بين الإثبات والثبوت، ونستطيع من خلال هذه النقيضة أن نفهم مُراد توماس لكونه (فيزيائياً ومؤرخاً ومفكراً أميركياً) الذي سعى بطريقة ما إلى الجمع بين تغيير النموذج واستقرار العلم كشرط لتحقيق مخرجات البحث، ولا شكّ في أن الاستقرار يتطلّب المضيّ في البحث بناء على نموذج يكتسب هذه المفارقة: «الظّن باليقين أو الامتثال اليقيني للنظرية والنموذج» وإلاّ فإنّ العلم لا يقدم شيئاً من دون استقرار.. ولا استقرار من دون يقين.. وهذا هو القدر من الإنصاف الذي يجب أن نحتفظ به ونحن نحاول تأويل استقرار العلم، وهو ما يمكن أن نسمّيه اليقين المنهجي الذي يقابل الشّك المنهجي. غير أنّ السؤال: هل من الممكن أن نتحدث عن يقين منهجي يعقبه يقين حقيقي؟.. الواضح أنّ مسلسل اليقينيات لا يقف، ولا يمكننا أيضاً أن نستخفّ باليقين أو نعوّضه بنزعة ريبية تنتهي إلى استحالة العلم وما يترتب من آثار على هذه النزعة التي تعني خراب العمران واستحالة التعايش وموت المعنى.
دائماً كانت الثورة في العلم والميتافيزيقيا من نصيب الشّك، وهو مفتاح الحداثة وإن كنت ما زلت أميل إلى رؤية أخرى وهي أنّ الشّك الديكارتي هو ليس بداية بل نهاية، نهاية عصر الـ«سكولاستيك» وأنّ العصر الحديث هو مدين لكل هذا التفاعل الذي عرفه العصر الوسيط ولكنه في تشكّل مستمر ولا يزال.. قِدْر الحداثة ما زال يغلي وهو على وشك الانتهاء، لكن بالرغم من «ثوروية» الشّك فإنّ كبرى الابتكارات هي بنت هذا اليقين المنهجي، أي المضيّ مع النظرية بمستوى من الظّن/ اليقيني إلى حدّ كشفها عن مخرجات علمية جديدة.
أحتاج في العلم إلى أدوات بحث وتجربة تتمتع بوضعية أكثر ستاتيكية وأن أكون واثقاً وعلى يقين من التقنية المتاحة، هل سنلوم العلم الكلاسيكي حين كان ينظر بيقين إلى فلك بطليموس؟.. يحتاج العالم في المختبر أن يعيش وضعية استقرار النظرية والنموذج والتقنية ونمط الإدارة المختبرية، لا بدّ من قاعدة يقين، ويبدو لي حتى الآن أنّ هذا جزء من إدارة الوعي للظاهرات، وللقصود، جزء من تفاعل العقل مع الأشياء، وكأنّ قصّة العقل هي هذا التدبير المستمر لجدل الثبوت والإثبات، وحين تقع الحيرة يحدث توزيع الوظيفة بين الإدراك والعمل. يحتفظ العقل النظري بتنسيبه لكنه يمنح العقل العملي سلطة الامتثال اليقيني ليستمر المعنى والفعل والعمران البشري، فهذا الأخير لا يقوم على الريبية الخالصة ولا على اليقين الخالص، بل على الامتثال الخالص.. وتبقى للوعي مساحة للهمس والتحرّش بيقينياته.

*كاتب من المغرب

طباعة

التصنيفات: رؤى عربية

Comments are closed